مقالات و محاضرات

 

 

ادفنوا جثتكم إكراما لصاحبها!

 

عدنان حسين

 

أطلق مقتل الارهابي ابو مصعب الزرقاوي موجات عارمة متتابعة من الفرح، تجاوز نطاقها العراق الذي سعى الزرقاوي مع فلول نظام صدام حسين طيلة السنوات الماضية الى إغراقه في بحر من الدم وإلقاء ناسه في المحرقة، بدعم مباشر وتسهيلات معتبرة من بعض جيران العراق العرب والعجم، وبعض «اشقائه» الذين لا حدود لهم معه.

مقتل أو اعتقال ارهابي بوزن الزرقاوي انتصار غير قليل الأهمية، لكن الانتصار الحقيقي هو بإلحاق هزيمة فكرية وسياسية بالعقلية التي أنجبت الزرقاوي وبن لادن والظواهري وسواهم من غلاة متشددي الاصولية الدينية والقومية ممن يستمرئون تعذيب البشر وقتلهم جماعيا واستباحة الحقوق والحرمات علاجا لأمراضهم النفسية والعقلية، سواء مارسوا هذا بأنفسهم ام اقتصرت ممارستهم على التصفيق والهتاف تشجيعا على الارهاب وتبريرا له.

لما يزيد عن السنتين تبنّى سياسيون وكتّاب وإعلاميون ورجال دين عرب ومسلمون، لم تبخل عليهم اوساطهم بكل مظاهر الهيبة والفخفخة، نظرية مفادها ان الزرقاوي لا وجود له في الواقع وانه ليس إلا احد افلام الخيال الاميركي لتبرير احتلال العراق. ولو جمعنا ما أهدر من حبر وورق وساعات من البث الاذاعي والتلفزيوني في السعي لتأكيد هذه النظرية لأمكننا أن نبني بالاموال التي انفقت عليها المئات من المستشفيات والمدارس والمصانع والمزارع مما كان سينتفع به العرب والمسلمون على نحو كبير.

أظن ان من حق المستضعفين في الارض الذين خوّل هؤلاء السياسيون والكتاب والاعلاميون ورجال الدين انفسهم حق النطق باسمهم ان يطالبوا بتعويضهم عما أهدر من اموال في الهذر بهذه النظرية، وعما لحق بهم من تشوه عقلي وتشويش فكري من جراء الكذب المتعمد المتواصل بأن الزرقاوي حكاية خرافية اميركية.

واظن ايضا ان من حق العراقيين جميعا محاسبة هؤلاء السياسيين والكتاب والاعلاميين ورجال الدين بتهمة التواطؤ مع الزرقاوي والتستر عليه وتضليل العدالة بنفي وجوده على الاطلاق لتمكينه من ارتكاب المزيد من جرائم القتل الجماعي وخطف الرهائن وذبحهم.

الزرقاوي واقع قائم وحقيقة صارخة، كما اكدت للمرة الاخيرة حادثة مقتله في بلدة هبهب العراقية الاربعاء الماضي. اما ما هو من نسج الخيال فتلك النظرية التي ابتدعتها العقلية السقيمة والروح الممسوخة لمتشددي الاصولية الدينية والقومية.

للموت حرمة، كما هو معروف. ومن مظاهر حرمة الموت إكرام الميت. وإكرام الميت يكون بعدة اشياء اولها دفن جثمانه قبل تحلله، فضلا عن ذكر محاسنه وعدم النطق باسمه حيث لا شهادة لميت. ومنذ اربعين عاما، وبالتحديد منذ حزيران (يونيو) 1967 ماتت على نحو مدوٍّ عقلية الكذب والتضليل العربية ـ الاسلامية. ولم يشأ اصحاب هذا الميت ان يكرموا ميتهم بدفن جثمانه في الحال. ولم يفعلوا هذا حتى عندما تحللت الجثة وانتشرت روائحها الكريهة في كل الجهات في مناسبات عدة لاحقة، ابرزها حرب صدام على ايران (1980 ـ 1988) وغزوه الكويت (1990 ـ 1991) وحرب 2003 ، فضلا عن سلسلة الاعتداءات الارهابية في مختلف البلدان العربية والاسلامية ودول العالم الاخرى.

انهم يصرّون على ان أحدا لهم لم يمت لا في العام 1967 ولا في الاعوام اللاحقة. وها هو مقتل الارهابي الزرقاوي تذكير آخر بأن لهم ميتا تركوا جثته في العراء كل هذا الزمن الطويل ومن حقه عليهم اكرامه بدفن هذه الجثة المتعفنة مع جثة الزرقاوي.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الشرق الأوسط اللندنية-11-6-2006