مقالات و محاضرات

 

 

الوجه الصيني للأزمة الإيرانية

 

جاكسون ديل

 

في غمرة الحديث عن عقم التفاوض مع إدارة بوش, سألني مسؤول إيراني رفيع المستوى, كنت قد التقيته في طهران الشهر الماضي, عما إذا كان ممكناً الحديث معي خارج إطار الحوار الصحفي المسجل, ثم باغتني بالقول: إن ما نريده حقاً من أميركا, رئيساً جريئاً ينتهج نهج سلفه ريتشارد نيكسون, الذي قام بزيارة مفاجئة وغير متوقعة إلى الصين.

وإن كان لي أن أوجز أهم ما لمسته من حديث معظم الذين تحدثت إليهم في طهران, فإن الاتجاه الشائع في رغبة الإيرانيين, ليس من جنس ذلك العرض التكتيكي الذي تقدمت به وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس لبلادهم في الأسبوع الماضي, وإنما اعتراف استراتيجي من قبل واشنطن بإيران, ينظر إليها على أنها حضارة إنسانية عريقة وقوة إقليمية كبرى, لابد من التعامل معها على نحو ما جرى مع الصين من قبل. والمقصود بهذا, الاعتراف لإيران بكونها قوة لها تأثيرها على مجريات الأحداث العالمية. واختتم المسؤول الإيراني حديثه لي بالقول: امنحونا هذا الاعتراف وتعاملوا معنا مثلما عاملتم الصين من قبل, ولن تجدوا منا سوى دولة تفتح صدرها وتبدي كل عون وتفاهم معكم.

وإنه لمما يثير الاهتمام أن نسمع تصريحاً كهذا من مسؤول إيراني يمثل حكومة دعا رئيسها قبل أيام معدودات الولايات المتحدة أو ما يسميه "المتغطرس الأكبر" إلى نبذ الديمقراطية وقبول فكرة إزالة إسرائيل ومحوها من الوجود. ومهما يكن, فإن في مثل هذا التصريح يذكِّرنا بأنه، وبصرف النظر عما يقوله الرئيس محمود أحمدي نجاد علناً, فإن مطالب إيران بالاعتراف بها كقوة إقليمية ودولية, تظل في مقدمة أهداف الجمهورية الإسلامية ومطالبها. بل وربما كان هذا الهدف, أهم الأوراق غير العسكرية التي يمسك بها الغرب في سعيه لوقف إيران عن المضي في تطلعاتها وبرامجها النووية.

كما توضح سابقة زيارة نيكسون للصين, فمن من المرجح للمحادثات الأميركية- الإيرانية أن تفشل، فيما لو أجريت, مع ملاحظة إقرار الطرفين لها من حيث المبدأ. والسبب أن طهران وواشنطن تصدران عن وجهتي نظر متباينتين أشد ما يكون التباين. فمن جانبها تسعى إيران إلى عقد لقاء استراتيجي كلحظة تاريخية تجمع بين قوتين دوليتين. أما الولايات المتحدة, فمعنية بالمساومة العملية البراجماتية على قضايا جزئية محددة, مثل البرنامج النووي وأمن ومستقبل العراق. وليس ثمة جديد في هذه الفجوة الكبيرة الفاصلة بين طهران وواشنطن, في زوايا النظر إلى الأمور التي تربط بين البلدين. وهي ليست قاصرة على إدارة بوش وحدها بأي حال من الأحوال. ففي ظل إدارتي رونالد ريجان وبيل كلينتون, كانت أميركا ميالة دائماً إلى مناقشة قضايا جزئية محددة, مثل أزمة الرهائن الأميركيين في لبنان. وفي المقابل فقد ظل رد الحكومات الإيرانية دائماً على هذه النزعة الأميركية, هو مطالبة واشنطن بتوسيع سياساتها ونظرتها للشأن الإيراني, مع رفض طهران المستمر للخوض فيما تسميه بصغائر الأمور مع واشنطن. وإن كان ثمة استثناء واحد في هذا, فهو تعاون طهران الصامت مع الرئيس بوش, إبان الغزو الأميركي لأفغانستان. بيد أن الذي يردده المسؤولون الإيرانيون كثيراً, أن جزاء الرئيس بوش لبلادهم على تعاونها وتنسيقها معه في غزوه لأفغانستان, جاء بوضعها في قائمة دول "محور الشر", في خطابه الشهير عن حالة الاتحاد عام 2002. ويحفظ الإيرانيون لذلك الخطاب, إقراره برغبة أميركا المعلنة في إسقاط النظام الإسلامي الحاكم في طهران.

وفي الأسبوع الماضي, بدا أن رايس قد تجاوزت الحد في استبعادها التام لاحتمال دخول بلادها، بأي درجة من الدرجات, في مثل ذلك الحوار الذي تأملُه طهران. فأثناء مؤتمر صحفي لها, قالت رايس: دعونا نذكر ما لا وجود له البتة هنا. فليس هذا حواراً ثنائياً بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران, يهدف إلى تناول جملة من القضايا, بحيث يفضي إلى إعادة بناء علاقات أوسع بين أميركا وإيران. فالذي يحدث هنا ليس "مساومة كبرى" بأي حال من الأحوال. وإن كانت تلك هي خلاصة الموقف الأميركي, فما الذي يمكن لطهران أن تجنيه من عرض كهذا؟ بالطبع يمكنها تفادي فرض عقوبات دولية عليها, إضافة إلى إمكانية حصولها على عدد من المكاسب الاقتصادية. وعلى حد قول بعض المسؤولين الأميركيين, فربما يتشعب ويتسع الحوار مع إيران ليتجاوز أزمة تخصيب اليورانيوم, إلى العراق وإسرائيل ومكافحة الإرهاب ومسيرة التحول الديمقراطي في لبنان, بل ربما يفتح نافذة لإبداء رغبة في التفاهم بين البلدين. إلا أن من رأي الإيرانيين, أن هذه ليست مطلقاً الطريقة التي عوملت بها الصين من قبل, وأن عرضاً كهذا, ربما هو أقرب إلى طبيعة العلاقات الأميركية- السوفيتية أو ما شابه ذلك.

وربما اختار الإيرانيون الاستفادة من هذه الكوة الصغيرة التي فتحها لهم العرض الأميركي. وقد تشمل تلك الاستجابة تجميداً مؤقتاً لبرنامجهم النووي, مخافة خسارتهم لدعم روسيا والاتحاد الأوروبي, إلى جانب الحرص على طمأنة الشارع الإيراني, وإن كان ذلك من قبيل المصافحة الشكلية بين مسؤولي الطرفين. غير أن هذا الخيار نفسه مستبعد حدوثه إلى حد بعيد. والأرجح أن يتمسك الإيرانيون بموقفهم, أملاً في إرغام واشنطن على معاملة بلادهم, على نحو ما تم من خلال زيارة نيكسون للصين. فذلك هو مطلبهم ومبتغاهم الأول والأهم.

 و كل ذلك بحسب رأي جاكسون ديل في المصدر المذكور .

المصدر : icaws – نشرته بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست" – 8-6-2006