الفرصة النادرة

 

محمد خلفان الصوافي

 

قلما يصادف أن توافق واشنطن على الرضوخ لطلب دولة من دول العالم لديها عداء معها، لذا فالمبادرة الأميركية تمثل فرصة نادرة لإيران خاصة مع هذه الإدارة التي لا يعرف عنها غير القوة العسكرية، وينبغي على إيران ألا تفوت على نفسها الفرصة لإثبات حسن نواياها وفي إزالة الكثير من الشكوك حول برنامجها النووي وسلوكياتها المتسمة بالتوجس.

جاءت الموافقة الأميركية، الأسبوع الماضي، لإجراء مفاوضات مباشرة مع إيران، فوق كل التوقعات بسبب ما كان يعتري المواقف المتبادلة من توقعات عكسية، وحملت المبادرة فرصة لا يمكن أن تتكرر، فأكثر المتفائلين لم يكن ليحلم بهذا الموقف. فهو سلوك لم يعتده المجتمع الدولي من الإدارة الأميركية الحالية تحديداً، ولم يصدر عن القائمين على شؤون هذه الإدارة من قبل، خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001. وإذا فسرنا المبادرة الأميركية على أنها انتصار للدبلوماسية الإيرانية وأن ذلك يبعث على التفاؤل، بعيداً عن الخيار العسكري، في ما يمكن أن تنتهي إليه قضية تخصيب اليورانيوم والمساعي الإيرانية للحصول على السلاح النووي التي عاش معها العالم حالة توتر وقلق، فإن فشل هذه المبادرة من جانب آخر يمكن أن يعطي دفعة قوية للتيار المتشدد في الإدارة الأميركية، بقيادة نائب الرئيس ديك تشيني ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد، وذلك في حالة رفضت إيران نجاد المبادرة ولم تستغلها بالشكل الصحيح، وهو ما يراهن عليه الفريق المتشدد في الإدارة الأميركية، وبالتالي يكون على المجتمع الدولي الاستعداد لتبني صيغ متشددة أو تصعيدية تبدأ بالعقوبات ضد إيران، خاصة وأن الموقف المبدئي لإيران لا يبشر بالخير. ورغم معرفة الجميع بأن المبادرة الأميركية التي اشترطت فيها وقف إيران جميع أنشطتها في تخصيب اليورانيوم، كشرط أساسي للتفاوض المباشر مع إيران، قادمة من "الشيطان الأكبر" ولها أهداف ونوايا أغلبها، في الذهنية الإيرانية، ليست طيبة، فإنها بالتأكيد محاولة أميركية لوضع نجاد في مأزق آخر باعتبار أن الإدارة الأميركية تبحث عن خطأ إيراني تؤكد من خلاله للعالم هواجسها من المساعي الإيرانية في امتلاك التقنية النووية.

ونجاد إذا كان يرغب في إثبات للمجتمع الدولي ولجيرانه صدق نواياه من أهدافه في امتلاك الأسلحة النووية، فعليه القبول بالمبادرة بشروطها لحين تنجلي الحقيقة، وتخطي المأزق الأميركي الذي وضعه الرئيس بوش فيه الآن، ويعيد بالكرة مرة ثانية إلى ملعب الرئيس بوش، الذي ألقاها في ملعب الرئيس نجاد الأسبوع الماضي، وكأنه يقول للعالم إننا مع مطالبكم في الجلوس مع الإيرانيين، وليؤكد، في حالة رفض نجاد للمبادرة، أن الإيرانيين يضللون المجتمع الدولي. وسيخطئ، كما أعتقد، نجاد إن هو لم يأخذ بالمبادرة الأميركية، المشروطة، وبالتالي يمكن الحكم على القراءة الإيرانية للمبادرة بالخطأ حيث سيستغلها الفريق المتشدد في الإدارة الأميركية كي يتعامل مع إيران وفقاً لقرارات يصدرها من مجلس الأمن الدولي.

الفريق الموجود في قمة هرم الإدارة الأميركية لا يعرف للدبلوماسية سبيلاً وهناك أمثلة موجودة وعلى هذا الأساس يمكن الحكم على هذه المبادرة بـ"الفرصة النادرة"، فهل ينجح نجاد في إعادة الكرة في الملعب الأميركي.

استطاع الرئيس نجاد –برسالته قبل أسابيع- أن يهز من صورة بوش، وجعله موضع نقد في الصحافة الأميركية وكذلك من جانب المجتمع الدولي، حتى بدا وكأنه يفكر ليل نهار في الخروج من تلك الصورة، الدور الآن جاء على نجاد لكي يخرج من المأزق الأميركي، ويحسن صورته التي روجتها الولايات المتحدة بشأن نواياه في امتلاك السلاح النووي. فنجاد الذي كان يعاني مأزقاً وصراعاً عصيباً أصبح الآن يمتلك فرصة لتحقيق عمل استثنائي خلال الأسابيع المقبلة، المبادرة الأميركية مدتها أسابيع فقط وليس أشهراً، وأن يبادر ويؤكد للعالم حسن نيته من مساعيه في امتلاك الأسلحة النووية، بالموافقة على المبادرة الأميركية ويستغلها بما يحقق لشعبه ما يتمناه من ازدهار وللمنطقة ما ترجوه من استقرار.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر نصا ودون تعليق .

المصدر : الاتحاد الامالااتيه – 7-6-2006