نحو إجراءات دولية صارمة في قضايا "حظر الانتشار"

 

بيتر جرايار

 

يتأرجح العالم حالياً على حافة مرحلة جديدة مقلقة من مراحل موضوع انتشار الأسلحة النووية الذي يبلغ عمره 60 عاماً. فقد تكون لكوريا الشمالية قنبلة الآن، وربما تسعى إيران إلى امتلاك معداتها النووية الخاصة.. كما أن مخزون الهند من المواد الانشطارية التي يمكن أن تستخدم في إنتاج الأسلحة، يمكن أن يتضخم خلال وقت قريب بسبب المعاهدة النووية المثيرة للجدل التي وقعتها مع الولايات المتحدة.

في نفس الوقت نجد أن الجهود الرامية لتعزيز معاهدة حظر الانتشار النووي قد تجمّدت تقريباً، وهو ما يتبين مما حدث العام الماضي، عندما انعقد المؤتمر المسمى "مؤتمر مراجعة معاهدة حظر الانتشار النووي" ثم انفضَّ دون أن يحقق شيئاً، بسبب الجدل والمشاحنات بين الدول المشاركة فيه.

والسؤال الآن هو: هل يمكن أن تصبح الأسلحة النووية شيئاً لا غنى عنه لعدد متزايد من الدول؟ يرى الخبراء أن الأمر يمكن أن يكون كذلك بالفعل، وأن هناك 10 أعضاء جدد يمكن أن يدخلوا النادي النووي بحلول عام 2015.

حول هذه النقطة يقول "نوبيواكي تاناكا" مساعد الأمين العام للأمم المتحدة لشؤون نزع الأسلحة في مؤتمر عقد في واشنطن الأسبوع الماضي: "هناك حاجة مُلحة لاتخاذ إجراءات أكثر صرامة من أجل منع انتشار الأسلحة والتقنية النووية". بيد أن هناك أخباراً جيدة مع ذلك.. فنحن لو نظرنا لمسألة الانتشار النووي وحجمه، عبر عدسات التاريخ الدقيقة، فإننا سنحكم على كفاح البشرية من أجل التحكم في مارد الأسلحة النووية بأنه كان كفاحاً ناجحاً إلى حد كبير -على الأقل حتى الآن. فعدد الدول التي تمتلك ترسانة نووية بالفعل، يبلغ سبع دول وهو عدد أقل بكثير من عدد الدول التي تنبأت تقارير الاستخبارات المركزية الأميركية في الستينيات بأنها ستمتلك مثل هذه الأسلحة. علاوة على ذلك، نجد أنه لم يتم تفجير سلاح نووي بدافع الغضب، منذ أسقطت الولايات المتحدة قنبلتيها على هيروشيما ونجازاكي عام 1945.

ويرى "توماس شيلينج" المنظِّر الاستراتيجي، والأستاذ بجامعة "مريلاند" الأميركية أن عدم استخدام الأسلحة النووية يعد تطوراً مدهشاً. وقال "شيلينج" في اجتماع مجلس العلاقات الخارجية الذي عقد في شهر مارس الماضي إنه يتوقع عدم استخدام الأسلحة النووية من قبل أية دولة خلال الأربعين عاماً القادمة. أما الأنباء السيئة، فهي أن تطورات الأحداث في السنوات الأخيرة بدأت في كسر "التابو" القائم ضد الاستخدام النووي.

فقد خلص تقرير مطول أعدته لجنة دولية تمولها الحكومة السويدية إلى أنه: "عبر العقد الماضي كان هناك فقدان جدي وخطير للزخم والاتجاه في جهود نزع السلاح والانتشار النووي" ووضع تقرير اللجنة التي يرأسها خبير التفتيش على الأسلحة السابق "هانز بليكس" جزءاً من مسؤولية ذلك على السياسات الأحادية التي تتبعها الولايات المتحدة، ولرفضها التصديق على معاهدة الحظر الشامل على التجارب النووية.

وهناك خبراء آخرون يرجعون ذلك إلى طائفة من الأسباب؛ فحسب "تاناكا" مساعد السكرتير العام للأمم المتحدة فإن تجربة الهند النووية غير المتوقعة عام 1998، أدت إلى تسريع سباق التسلح في جنوب آسيا، وبعد ذلك جاءت كوريا الشمالية وجهودها الحثيثة والسرية لإنتاج الأسلحة النووية. وقد تكون جهود إيران في مجال الانتشار النووي قد أدت أيضاً إلى مزيد من التقويض لمعاهدة حظر الانتشار النووي، كما أن المدى الذي وصلت إليه أنشطة العالم النووي الباكستاني عبدالقدير خان في تهريب المواد النووية كانت قد أدت إلى إصابة معظم دول العالم بالصدمة.

وهناك إلى جانب ذلك عدم رغبة الدول الكبرى النووية في العالم في التخلي عن أسلحتها النووية، أو القيام بخطوات مهمة في مجال نزع الأسلحة كما يقول "تاناكا". في هذا السياق يمثل عرض الولايات المتحدة للجلوس والدخول مباشرة في محادثات مباشرة مع إيران إذا ما قامت بتعليق أنشطتها التخصيبية تطوراً إيجابياً. ففي مؤتمر نزع السلاح الذي عقد في جنيف قدم مسؤولو الولايات المتحدة مسودة لمعاهدة ستقوم بحظر جميع أنشطة إنتاج المواد الانشطارية التي تستخدم في تصنيع الأسلحة. وقد رفض المسؤولون الأميركيون الفكرة القائلة إن احتفاظ بلادهم بالأسلحة النووية يقدم مثالاً سيئاً للغير، وقالوا إنها قد التزمت بالتعهدات التي فرضتها عليها معاهدة حظر الانتشار النووي، وإن مخزون الأسلحة النووية الأميركية سيقل بحلول عام 2012 حتى يصل إلى ثمانين في المئة مما كان عليه عام 1990.

لا يوافق الخبراء الدوليون على ما يقوله المسؤولون الأميركيون ويقولون إن هذه الأسلحة قد تم سحبها من الخدمة فقط، ولم يتم تفكيكها وتدميرها.

وقالوا أيضا إنه إذا ما كانت واشنطن جادة حقاً في معالجة أزمة الانتشار النووي الحالية، فإنها يجب أن تعيد النظر في رفضها لمعاهدة الحظر الشامل على التجارب النووية وأن تواصل جهودها لمنع انتشار المواد الانشطارية، وتعترف بأن الهموم الأمنية المشروعة تدفع بعض الدول إلى الاعتماد على الأسلحة النووية. والبعض يحثون الكونجرس أيضاً على رفض الصفقة النووية مع الهند. فوفقاً للاتفاقية التي وقعتها الولايات المتحدة مع الهند في الثاني من مارس، ستتسلم الهند من الولايات المتحدة وقوداً ومنشآت وخبرة نووية، على أن تقوم في المقابل بالفصل بين بنيتيها المدنية والعسكرية، وتوافق على إجراء بعض التفتيشات النووية.

وهذه التفتيشات ستكون هي الأولى من نوعها بالنسبة للهند غير الموقعة على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية وإنْ كان الخبراء النوويون يقولون إن كل ما ستفعله تلك الصفقة هو أنها ستتيح للهند تخصيص المزيد من مجهودها المحلي لإنتاج المواد الانشطارية لاستخدامها بعد ذلك في إنتاج الأسلحة.

بعد ذلك يبقى السؤال الصعب: ماذا يمكن للعالم أن يفعل إذا لم تنجح جهوده في الحد من انتشار الأسلحة النووية؟ ربما لا يمكن لأي شيء يقوم به العالم أن يجعل كوريا الشمالية وإيران تصرفان النظر عن اتخاذ القرار الخاص بمواصلة برنامجيهما لإنتاج الأسلحة النووية.

هناك بالطبع الخيار العسكري ولكن هذا الخيار قد تنتج عنه تداعيات خطيرة، كما أنه حتى لو نجح فإنه يمكن أن يؤجل الانتشار النووي، لا أن يوقفه.

ويؤمن "شيلينج"، المذكور أعلاه، بأنه من المهم أن يتم الاتصال بالمسؤولين والخبراء النوويين في هذه الدول لمناقشة موضوع إدارة الأزمة النووية معهم. ويضيف أن خبراء الدفاع الهنود كانوا قد دأبوا على حضور الاجتماعات التي تعقد في الغرب لمناقشة هذا الموضوع، وأنهم أصبحوا على دراية بما تصلح له الأسلحة النووية وما لا تصلح له، وهو ما لا ينطبق على ممثلي كوريا الشمالية وإيران الذين لم يستمعوا إلى مناقشات مطولة عن ذلك ولا عن أهمية موضوع مثل "تسلسل القيادة النووية" على سبيل المثال، أي التراتبية في إصدار الأوامر الخاصة باستخدام الأسلحة النووية.

مراسل صحيفة "كريستيان ساينس مونيتور" في واشنطن

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الإتحاد الإماراتية- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"-6-6-2006