مقالات و محاضرات

 

 

مخاطر ظهور الدول الجديدة على الاستقرار العالمي

 

باسكال بونيفاس

 

يشكل خطر انتشار أسلحة الدمار الشامل في أرجاء العالم الفسيح ووصولها إلى أيدٍ آثمة تعبث بالسلم والأمن الدوليين هاجساً حقيقياً يؤرق المسؤولين السياسيين والخبراء الاستراتيجيين. لكن خطر الانتشار النووي، على جسامته وقتامته وتهديده لمستقبل السلم العالمي، لا يبرر إغفال نوع آخر من الانتشار لا يتعلق بالأسلحة -النووي منها أو التقليدي- بقدر ما يرتبط بالزيادة العشوائية وغير المنظمة في عدد الدول في العالم وما يطرحه ذلك من تهديد على الاستقرار والوحدة الترابية للدول.

فقد شهد العالم ارتفاعاً كبيراً في عدد الدول بحيث تضاعف عددها بأربع مرات منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية. والبداية كانت مشروعة وفي إطار القانون الدولي عندما حصلت أمم كثيرة على استقلالها وتحررت من ربقة الاستعمار لتصبح كيانات مستقلة قائمة بذاتها وأعضاء فاعلين في منظمة الأمم المتحدة. ثم تلا ذلك انهيار الاتحاد السوفييتي خلال فترة التسعينيات وما ترتب عنه من تفتت الإمبراطورية الشاسعة إلى دول وأقطار على أساس عرقي واقتصادي، كما كانت يوغوسلافيا أبرز مثال على تفكك الدول وظهور أخرى محلها. ورغم ما انطوت عليه عملية التفكك في الحالتين السوفييتية واليوغسلافية من أسباب وبواعث متعلقة بالهوية القومية للشعوب لا يمكن إنكارها، فإنه في المقابل يتعذر إغفال الخلفيات الاقتصادية التي لعبت دوراً حاسماً في تفكك الدول، وغذت مشاعر الانفصال لدى العديد من الكيانات. ففي الاتحاد السوفييتي السابق كانت الجمهوريات السلافية مثل روسيا وأوكرانيا وروسيا البيضاء أولى الجمهوريات التي طالبت بالانفصال ونجحت في جعله واقعاً بسبب قناعة ترسخت هناك بأن الإقلاع الاقتصادي واللحاق بالمعسكر الغربي لن يتحقق دون التخلص من عبء جمهوريات آسيا الوسطى الأقل تطوراً. والحال نفسه ينطبق على يوغوسلافيا التي بادرت سلوفينيا أصغر جمهورياتها وأكثرها ازدهاراً إلى طلب الانفصال عن البلد الأم، معتبرة أن ذلك سيسهل انضمامها إلى أوروبا، وسيسرع تقدمها الاقتصادي.

وبينما كانت عمليات الانفصال في السابق تحفزها الرغبة في الاستقلال والخروج من نير الاستعمار في إطار حروب التحرر الوطني التي شهدها العالم في الستينيات من القرن المنصرم، أصبحت الحركات الانفصالية في عالمنا المعاصر أقل ارتباطاً بالدفاع عن هوية وطنية مهددة وأكثر التصاقاً بدوافع اقتصادية محضة؛ وهي الدوافع التي لا تخرج عما يمكن تسميته بـ"الأنانية الاقتصادية". وفي معظم الحالات لا تكمن جذور التطلعات الانفصالية في الرغبة في التحرر والخروج من عباءة الكيانات الكبرى المهيمنة على الأقليات ذات الحقوق المهضومة كما يتخيل البعض، بل تكمن في القناعة السائدة بأن الازدهار الاقتصادي سيكون أسهل وأقرب إلى التحقق في ظل كيانات صغيرة بدل البقاء ضمن دول كبرى تستنزف الكثير من الموارد وتوزعها على عدد أكبر من السكان. وبالنظر إلى ما يجري في العالم نجد أن الأمثلة كثيرة ومتعددة وما علينا سوى مراقبة ما يجري داخل أوروبا نفسها التي شهدت تنامي التطلعات الانفصالية، لاسيما في شطرها الشرقي. فقد قرر سكان الجبل الأسود الانفصال عن صربيا في استفتاء شعبي، علماً أنهما معاً، صربيا والجبل الأسود، كانا يشكلان جزءاً من كيان واحد منذ تفكك يوغوسلافيا سنة 1999.

ورغم ما كان يتمتع به الجبل الأسود من حكم ذاتي موسع وصلاحيات كبيرة في إدارة شؤونه، فضلاً عن عدم وجود أي تهديد يذكر لهويته، فإنه مع ذلك آثر الانفصال مدفوعاً برغبته في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي بعد قطع صلاته مع صربيا. ولا يقتصر الأمر فقط على أوروبا إذ من المحتمل أن تنتقل حمى التطلعات الانفصالية إلى باقي مناطق العالم التي تعيش التوترات والقلاقل. ولعل المثال الأبرز الذي يتبادر إلى الذهن في هذا المقام هو العراق واحتمال تفككه إلى ثلاث دول منفصلة. وهنا أيضاً تتجاوز الأسباب الدوافع الإثنية والطائفية لتطال بالأساس العوامل الاقتصادية في بلد يمتلك الكثير من الموارد النفطية وتتنافس فيه المجموعات الرئيسية من أكراد وشيعة وسُنة على الاستئثار بالثروات النفطية الهائلة التي تزخر بها المناطق العراقية المختلفة والمتصارعة. وعلى امتداد قارات العالم الخمس تستمد الحركات الانفصالية قوتها من مبررات اقتصادية تقوم على أنه من الأجدى اقتصادياً الانفصال عن أكثرية ما، أو التنكر لأقلية ما من أجل تحقيق الازدهار والرفاه.

ويبقى أن نلفت النظر إلى المخاطر الجسيمة التي يمكن أن تقود إليها حركات الانفصال وخلق دول وكيانات جديدة؛ فقد يؤدي الأمر إلى تشكيل دول ضعيفة لا تملك من مؤسسات الدولة الفاعلة والقوية إلا الاسم لتتحول إلى مرتع للعصابات الإجرامية مهددة أمن واستقرار جيرانها. وحتى لو وجدت كيانات تملك من مواصفات السيادة ما يؤهلها للانفصال، إلا أنها قد لا تتوفر على الإمكانات والموارد اللازمة لإدارة الدولة والاضطلاع بالمهام المنوطة بها إزاء المواطنين الذين يعيشون فوق ترابها. بيد أن الأخطر من ذلك كله هو احتمال اندلاع مواجهات عنيفة بسبب رغبة بعض الأطراف في الانفصال. وليس النموذج السلمي الذي عرفته جمهورية تشيكوسلوفاكيا سابقاً إطاراً عاماً يمكن تعميمه على باقي المناطق، بل هي الاستثناء الذي لا يبرر القاعدة. فقد أصبح التطلع إلى الانفصال أحد المصادر الأساسية للصراعات المسلحة في العالم، حيث غالباً ما يسفر عن اندلاع الحروب الأهلية مثلما يجري في إفريقيا، أو مثلما جرى في البلقان.

ولأن انفصال الكيانات عن بعضها بعضاً وانبثاق دول جديدة هي عملية معدية فإننا سنشهد في المقبل من السنوات المزيد منها، لاسيما في المناطق المتوترة مثل كوسوفو التي مازالت اليوم خاضعة للسيادة الصربية. وأخيراً لابد من الإشارة إلى أن مسألة انفصال الدول وقيام كيانات تواجه إكراهات ذاتية لا يمكن تجاوزها. فالعالم اليوم يضج بأكثر من خمسة آلاف قومية وعرقية موزعة على جميع أنحاء المعمورة، وبالطبع لا يمكن تصور حصول كل واحدة منها على دولتها الخاصة لأن تعدد الدول وانتشارها دون ضوابط سيجعل إدارة العالم وحل مشاكله أكثر صعوبة، كما أن تناسل الدول في الأرض كالفطر سيقضي على مفهوم السيادة من أساسه ويفرغه من مضامينه الحقيقية.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الإتحاد الإماراتية-6-6-2006