مقالات و محاضرات

 

ضحايا... لا شهداء 

 

إبراهيم أحمد

 

كتب فهمي هويدي في مقاله «ليسوا هواة انتحار أو دعاة موت» في «الشرق الأوسط» عما دعاه بزمن انحسار المقاومة والجهاد والاستشهاد والمحتفين بها. ناسياً أو متجاهلاً أن الزمن العربي ومنذ ما يزيد على النصف قرن وحتى اليوم طافح بالجهاد والاستشهاد والمقاومة وسيول الدماء المتدفقة من طواحينها. وان شعراء الأمة لم يستطيعوا مجاراتها فراحوا يستعيرون قصائد لها من أسلافهم شعراء الماضي. وشغلت الإذاعات العربية طواقمها ليلا ونهارا لإنتاج الأناشيد والأغاني الثورية الرنانة، ثم كان الحصاد الماثل أمامنا اليوم هو ذاته الذي نشهده منذ 5 حزيران من عام 1967!

الكاتب لا يشخص ان الزمن العربي يعاني من انحسار في الوعي الصحيح للقضايا الكبرى وطرائق حلها أو في الأقل وضعها على الطريق الصحيح. ولا يشخص انحسارا في العقل المتسع للرؤى السليمة.بعيداً عن العاطفة والمشاعر الجياشة المضللة، ولا الانحسار في تغليب العلم على الخرافات والأساطير والشعوذة! وإلا لكان قد تبنى قضية هؤلاء الشبان الذين ينتحرون ناحرين معهم الآلاف من الأطفال والنساء والشيوخ من زاوية أخرى هي الأكثر فائدة لهم ولمن يسير على طريقهم، ولعوائلهم التي حطموها بتهورهم، ولأمتهم التي يقولون إنهم يموتون من أجلها. بينما حين تهدأ الأرض من دوي تفجيراتهم وتلم أشلاء الضحايا، لا نجد أن قضايا الأمة قد تقدمت سنتيمتراً واحداً. على العكس، تكون قد نكصت مسافات وسنوات إلى الوراء. أليس هو انحسار العقل والوعي ما يجعل البعض يمجد الشخص الذي يجعل طريقه إلى الجنة معبداً بشلوه وأشلاء الآخرين؟ بينما لا يكلف نفسه أن يسأل وما جدوى هذا؟ ماذا تحقق منه؟ من يستفيد منه؟ ألم يستفد الأعداء منه بينما نحن خسرنا أبناءنا ومنشآتنا وسمعتنا؟ بعض الكتاب يعالجون هذه القضية وهم في حجرات مكيفة الهواء بعيدة عن مسارح الموت وحشرجات المصابين وعويل أحبائهم!

والأخطر من هذا عدم طرح السؤال الأساسي: أليس ثمة طريق آخر؟

هناك طرق وآفاق لمن يركن لعقله قبل أهوائه. فلا يوجد سياسي أو مفكر أو إنسان بسيط بضمير حي يقبل أن يحتل وطنه أو يقتطع جزء منه أو أن تقهر إرادة شعبه. لكن في ظل التوازنات القائمة يغدو التمسك بالشعارات الرنانة عن الكفاح المسلح والمقاومة الانتحارية إيغالا في الضلال وإلحاق المزيد من الضرر بالوطن والناس.

خلط الكاتب الأوضاع العراقية بالأوضاع الفلسطينية ومنح صفة الشهادة لأولئك الذين يفجرون أنفسهم في العراق على أبواب المدارس والجامعات ومراكز الشرطة وفي الجوامع والكنائس؛ لإشعال الحرب بين الشيعة والسنة، واعتبرها أعمالاً شرعية، بينما لم يعتبرها شرعية في بلاد أخرى لأمر ما. ترى هل يعرف الكاتب كم قتل هؤلاء من أبناء العراق وكم قتلوا من الأمريكان؟ إن الذي قتلوه من الأمريكان لا يصل إلى واحد في المائة ممن قتلوه من العراقيين المدنيين العزل! لقد أثبتت الوقائع أن الذين يريدون إغراق العراق بالدم، هم دول تخشى من نجاح العراقيين في بناء دولتهم الجديدة وتريد لأمريكا أن تغوص بدماء العراقيين فلا تصل إلى بلدانهم وتطيح بكراسيهم المكروهة من شعوبهم!

إن أكثرية العراقيين اليوم، شيعة وسنة، يرفضون التفجيرات الانتحارية ويعدونها جرائم فظيعة غريبة عن أمزجتهم وأخلاقهم؟ إن من يريد لهم الخير لا ينبغي له أن يحث أو يشرع لدفع المزيد من الإرهابيين والانتحاريين إلى بيوتهم وشوارعهم ومساجدهم ومدارسهم ومستشفياتهم. بل عليه دعم طريقتهم السلمية العاقلة في استعادة قواهم وبناء دولتهم، وبما يمكنهم من إخراج القوات الأجنبية بأقرب وقت وبطرق هادئة ونافعة.

وحتى إذا سُدت الطرق السلمية ولم يعد ثمة مناص من الكفاح المسلح، فلا ينبغي أن تكون حروب العرب من أجل قضاياهم بالسيارات المفخخة والانتحاريين أو الطائرات المشتعلة، كما حدث في 11 سبتمبر! بل ان تكون نضالا عسكريا حضاريا نظيفا، وبما يليق بتاريخهم الذي طالما تغنى به كتابهم ومنهم السيد هويدي. وهذا بالطبع يقود إلى ضرورة امتلاك العلم والفكر والأسلحة الفعالة والخطط الحربية المحكمة وليس الانفعالات والأماني!

أثبتت وقائع التاريخ أن الذين دعوا للطرق الناضجة في الكفاح وأكدوا أن الرأي قبل شجاعة الشجعان، هم الذين نفعوا شعوبهم وأمتهم، وهم الأقرب للبسالة، ومن يصفهم بكتاب المارينز عليه أن يتوقع توصيفه ضمن كتاب «القاعدة» مثلا! إن التهييج دون روية يلحق أفدح الأضرار بالأوطان والناس، بينما تأكيد العقلانية وتقبل الحقائق هي السبيل للبناء والتحولات.

إن معظم الانتحاريين هم شبان وصبيان مراهقون قلما يفقهون من أمور حياتهم شيئاً. فكيف بأمور أمتهم ودينهم؟ كل ما يعرفونه عن الطريق الذي ساروا فيه أن ثمة جنة في آخره تنتظرهم فيها حوريات وموائد عامرة. فيسيرون إليها منومين (وجدوا في العراق بعض الانتحاريين وقد شدت أيديهم إلى مقود السيارة، وعند فحص من لم يفلح بتفجير نفسه وجدوه وقد تناول حبوباً للتخدير والهلوسة)، هؤلاء لا يعلمون أنهم مخالب من قبل دول وأجهزة هدفها تصفية حساباتها مع دولة أخرى على أرض دولة مجاورة!

وهم لا يمكن أن يعدوا شهداء، ومع أقصى درجات التسامح يمكن اعتبارهم ضحايا دول تغرر بهم مستغلة فقرهم وحماسهم وظمأهم الجنسي والعاطفي، من أجل مشاريعها الخاصة. ورجال الدول هؤلاء هم الإرهابيون! كان على الكاتب أن يتساءل كيف ننقذ هؤلاء الشبان في العراق ومصر واليمن والسعودية والجزائر وتونس والصومال والمغرب وغيرهم من طريق الموت اللامجدي؟ كيف تعالج المشاكل الاقتصادية والنفسية والتربوية التي دفعتهم إلى هذه المهالك؟ كيف يفهموا أن السيارات المفخخة ليست تاكسيات صالحة للوصول إلى الجنة، بل إلى الجحيم. وإن العمل الصالح من الممكن أن يحرر الأوطان والناس، بل ويبني الجنة على الأرض أيضاً!

كاتب عراقي مقيم في السويد

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الشرق الأوسط اللندنية-5-6-2006