مقالات و محاضرات

 

 

كيف تناولت أولبرايت ثنائية الدين والسياسة؟

 

جيمس زغبي

 

إن أكثر ما استهواني وأثار اهتمامي بكتاب "القوي والجبار: تأملات في أميركا, الرب والشؤون الدولية" لمؤلفته مادلين أولبرايت, وزيرة الخارجية الأميركية السابقة, تواضعه وجرأته وصراحته. فعلى امتداد الكتاب كله, غطت المؤلفة عدداً من الموضوعات, تناولت مسائل مثل دور الدين والأخلاق في وضع السياسات, إلى مجمل القضايا المتعددة التي تواجهها الولايات المتحدة الأميركية في الشرق الأوسط المعاصر. وأثارت عبر الكتاب كله, عدة تساؤلات حول أفضل الخيارات المتاحة لرسم السياسات الأميركية, إلى جانب اعترافها بالأخطاء التي ارتكبتها هي وغيرها من المسؤولين الأميركيين. أما بملاحظتها التي أوردتها عن اكتشافها هي وغيرها ممن كانوا في مواقع صنع القرارات والسياسات حينها, لجهلهم التام بالإسلام والتاريخ العربي, فقد قصدت منها توجيه دعوة مباشرة للمسؤولين الأميركيين لأهمية فهم الإسلام والتاريخ العربي.

وبحكم سعة وتشعب الموضوعات التي تناولها الكتاب, فإن من الطبيعي أن يقف المرء على الكثير من الهنات ونقاط الضعف في مساهمة فكرية بكل هذا الاتساع والطموح. وعلى سبيل المثال لا الحصر, فإن لي رأيي الشخصي المغاير لرأي الكاتبة ومعالجتها للنزاع الإسرائيلي- الفلسطيني. فالملاحظ أنها أقرت بالإجحاف المتضمن في إعلان "وعد بلفور", إلا أنها لجأت على رغم ذلك إلى التناول التاريخي الدارج لطبيعة هذا النزاع, متجاهلة أهمية تشكيل ذلك الظلم حتى اليوم للواقع الفلسطيني- العربي. كما أن من رأيي الخاص, أن تناولها لتأثير الدين على كل من الحركات السياسية وشؤون الحكم, كان ممكناً له أن يكون أعمق بكثير, لو أنها اطلعت على كتابات الباحثين في مجال الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع, بكل ما قدمه هؤلاء من إسهامات ثمينة وعميقة عن هذا الموضوع بالذات.

لكن وعلى رغم هذه الملاحظات, يظل الكتاب محتفظاً بأهميته وجرأته في إثارة جدل جديد حول جملة من الفرضيات التي أصبحت من "مسلَّمات" الحرب على الإرهاب, في ظل الإدارة الحالية. من ذلك مثلاً ما جاء على لسانها على إثر حوار لها مع الرئيس الأسبق بيل كلينتون, عن ضرورة أن تبرز أميركا مجدداً بصورة الدولة التي يستمع قادتها إلى الآخرين, ويعترفون بأخطائهم, إلى جانب تفانيهم في التصدي للقضايا ذات الصلة بالتحديات الدولية المثارة.

وتبدي المؤلفة تفهمها للأسباب التي دفعت الكثير من الأميركيين للبحث عن الوثوق والطمأنينة في أعقاب هجمات 11 سبتمبر المروعة, ومن ثم قبولهم لخيار "إما أن تكون معنا أو ضدنا" الذي أتيح لهم بعد تلك الصدمة الكبيرة. غير أنه لم يفتها التحذير من مغبة الأخطاء والكوارث الناجمة عن أحكام ومواقف جاهزة كهذه, سواء على صعيد رسم السياسات, أم في الحكم على الآخرين وتقييمهم. ففي أكثر من موضع من الكتاب, شدت أولبرايت القراء إلى مناقشات حول صعوبة الخيارات التي ينبغي على المسؤولين اتخاذها في مواجهة المواقف الصعبة. ولاحظت أن مثل هذه الخيارات لا تقوم على مفاهيم قطعية جاهزة لها صلة بالشر والخير, بقدر ما تتسم بطابع عملي واقعي. وأوضحت كيف أثرت هذه المعضلة على جملة من القرارات التي اتخذت إبان الحرب الباردة, وكذلك خلال وجودها هي في موقع المسؤولية الحكومية, أو على القرارات التي اتخذها الرئيس بيل كلينتون فيما يتعلق بتصديه لأزمة مهاجري جزيرة هاييتي أو في أزمة البوسنة.

ومن بين المواضيع التي وقفت عندها المؤلفة طويلاً, مفهوم "الحرب العادلة" والعواقب الوخيمة التي قد تسفر عنها القرارات التي يتخذها القادة وصناع السياسات. وضربت مثالاً لذلك بغزو الرئيس الحالي جورج بوش للعراق, مع العلم بأنه ليس "حرباً عادلة" في رأيها. والأهم من هذا الغزو, النتائج الكارثية التي تمخض عنها, خاصة وأنه لم يجعل أميركا ولا العراق ولا منطقة الشرق الأوسط برمتها, مكاناً أفضل وأكثر أمناً كما قيل قبل الغزو. إلى ذلك أضافت أنه وبسبب جهل الإدارة بالإسلام والعرب, لاسيما بالعراق وشعبه وتاريخه, فقد جاءت النتائج المتوقعة للغزو, مغايرة تماماً لتلك الصورة الوردية الزاهية التي رسمت عنها قبل الغزو.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الإتحاد الإماراتية-5-6-2006