المالكي والاختبار البصري

 

جابر حبيب جابر

 

غالباً ما يقوم الكتاب والمستشارون والباحثون بوضع عدد من المقتربات لمعالجة ازمة، وكذلك مشاهد او سيناريوهات محتملة لها، ثم يناقشون كل احتمال ويصفون ما يثار ضده، ويقترحون الخيارات والاخرى البديلة، ومحاسن كل منها وفي الكفة الاخرى مساوئه، حتى يحار صناع القرار وأولي الامر الذين يطلبون الرأي والمشورة الى اي السبل يذهبون واي القرارات يرجحون، وبدل معاونتهم فإن ذلك يفضي غالباً الى ترددهم وشل ارادتهم.

لذلك سنجرب ان نتجنب ذلك وان نحاول ترجيح حلٍ واحدٍ للمشكل العراقي المتفاقم وفي كل اوجه الحياة الامنية منها والسياسية والاقتصادية ولم تسلم منه حتى الاجتماعية، انه ببساطة وبعبارة واحدة في «عودة هيبة الدولة» .

ان الظروف دفعت الى ان يكون الاختبار الاول لدولة العراق الدائمية دستوراً وحكومة في البصرة، البصرة التي ارتبطت بالفكر في ذاكرة الشعوب الاسلامية والمنجز الحضاري الانساني تأريخياً، فيوم كان للنحو والبلاغة، وهي ام ابداع العرب، مدرستان كانت البصرة احداهما ، واستمرت في ان تكون خزانة فكر العرب وحاضرة ابداعهم وادبهم وعلومهم وثقافتهم وفقههم وعلم كلامهم، وصولاً الى ادب العرب الحديث الذي ابت البصرة إلا ان تنتزع ايضاً ريادته، وفي الجانب الاخر من تأريخها القريب فقد انهكتها الحروب التي كانت دائماً ميدانها، وشردت حروب العبث والدكتاتورية ابناءها والتي عاقبتها بحرمانها وهي التي تطفو فوق الثروات ويلتقي فيها نهرا العراق ظلت ظمآنة لماء صالح للشرب، فتطلعت الى ان تعوض عن سنين القهر والتنكيل والطغيان. وإذ يواصل الحرمان والاهمال فيها سيرته، فقد فشلت حكومات ما بعد التغيير ان تعوضها صبرها، ولا الديمقراطية التي ارتوت ولعقود من دماء ابنائها حققت لها الخير والرفاه، فظلت وهي التي تمثل مصدر دخل العراق المتأتي من نفطها تشكو الفقر والحاجة، إذ لم تنجح حكومات العهد الديمقراطي في ان تجعل من هذه المدينة التي تمتلك كل مقومات وفرص النجاح مثالاً واجب الاحتذاء والتطلع لباقي العراقيين، حيث انها تمتعت والى عهد قريب بالهدوء النسبي في الوقت الذي بقيت فيه كثير من مدن العراق تغلي، مع ذلك لم تقم فيها المشاريع ولا شرع بحركة إنماء بل ظلت حظوظها كحظوظ مدن واظبت على تدمير انابيب نفطها والإجهاز على بناها التحتية، فهل كان عسيراً جعل هذه المدينة مثالاً للعراق المأمول؟ وهي التي تعيش بالقرب من قصص النجاح الخليجي، والمفارقة انها رئة العراق على العالم، ولكنها تشكو من ذات الرئة، فكيف يراد لباقي الجسم ان يتعافى؟

لقد طرأت على البصرة ظواهر وامراض لم تألفها بل هي مناقضة لطبيعتها، التي طالما اجمع العراقيون، رغم قلة ما يجمعون عليه، على وصف اهلها بالطيبة والتسامح، واذ يغيب عنها ذلك ويحل الإقصاء بدل التسامح، والخوف والتقتيل والعنف بدل رهافة الروح والمشاعر، وتوقع تمزق بنيتها المجتمعية التي طالما كانت نسيجاً واحدا بمسلميها ومسيحييها، ناهيك من شيعتها وسنتها، فإذا بها تصبح ميداناً لحوادث عنف طائفية مفتعلة، ويحل الرأي الاحادي ويستبدل عنف الدولة بعنف القوى الاجتماعية المنفلتة. لقد هيمنت على مشهدها قوى واحزاب وميليشيات متعددة، باتت لكل منها مصالح ضخمة، وقاربت في سلوكها اساليب المافيات، حيث تعيش وتزدهر على تهريب النفط الذي بات للقوى النافذة اليد الطولى عليه حيث درجت على ممارسة تهريب النفط الخام عبر موانئها وكذلك تهريب مشتقاته، والمتاجرة بها، لمصلحة احزابها وقياداتها المستقوية بأذرع مسلحة، إذ هل يعقل ان يترك بلد مصدر ثروته الوحيدة النفط لثلاث سنين بدون عدادات لضبط كمية المصدر والمباع منه؟

ان تصاعد العنف والاغتيالات والصراعات بين القوى السياسية والمحلية والتي رافقت خطوات تشكيل الحكومة واخذت منحى خطيرا بعدها لدوافع حزبية ومصالح وضغوطات لا يمكن إغفالها، دفعت بالمالكي وكذلك نائب الرئيس الهاشمي، وقبلهما عبد المهدي، الى الذهاب الى المنطقة الساخنة للاطلاع على الامور عن كثب بدلاً عن بعد وعبر الموفدين، لذا فالبصرة تمثل مختبرا مثاليا لقياس نجاح الحكومة الذي يمكن ان ينعكس على باقي العراق وللاسباب التالية: اولاً، ان القوى السياسية المسيطرة على المشهد في البصرة هي القوى الاسلامية الشيعية وهي نفسها التي تمثل الجزء الاكبر من الدولة وهذا من شأنه ان ييسر الحل وايضاً ينزع اي ذريعة من القوى الناشزة، ثانياً، ان غالبية البصرة هي شيعية ونسيجها الاجتماعي منسجم، وان السنة فيها لا يمكن ان يشكلوا لا حاضنة للارهاب ولا بيئة متعاطفة معه، لذا لا يمكن تحميل اي طرف آخر دوافع العنف الطائفي او وزر الفشل، وثالثاً، ان اعادة السيطرة وضبط موارد البلد النفطية وايقاف التلاعب بمقدراته لا يمكن ان تلاقي إلا التأييد، وكذلك تحجيم القوى التي باتت بسبب الفساد تستقوي على الدولة، ورابعاً، ان اعادة السيطرة هناك يمكن ان تصطدم بالنفوذ الاجنبي الحقيقي او المضخم مما يستلزم كبحه، وهذا ما سيعطي المصداقية للتوجهات الوطنية للحكومة، واخيراً فإن البدء في البصرة سيسقط اي دعوات طائفية عند الاتجاه الى معالجة الاوضاع في مدن اخرى، ومن جهة اخرى فإنه سيلقي المسؤولية على القوى السياسية الممثلة لمناطق الاضطراب التقليدي للإتيان بمعالجات مماثلة وإلا سيدب التشكيك الى تمثيلها لشارع لا تستطيع ضبطه.

وعود على بدء فإن مفتاح الحل في البصرة ـ كما هو في غيرها من مدن العراق ـ يظل في قدرة الدولة على إعادة هيبتها التي طال افتقادها.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الشرق الأوسط اللندنية-4-6-2006