مقالات و محاضرات

 

 

الجيش الأفغاني بين التحديات الأمنية والافتقار إلى التمويل

 

فانس سيرشك

 

صادف ربيع العام الحالي, مرور أربع سنوات على بدء الولايات المتحدة بناء الجيش الوطني الأفغاني, الذي برز بين قصص النجاح التي تحققت هناك, فكان أقلها إثارة للجدل بين كافة مشروعات وخطط إعادة البناء الجارية هناك. ففي الوقت الذي ارتبطت فيه القوة العسكرية الأفغانية دائماً بالانتماء الحزبي والقبلي ولوردات الحرب والمليشيات, نلاحظ أن تركيبة الجيش الوطني, تتسم بالتعددية العرقية والمهنية والاستعداد الحربي الجيد. وكل هذه السمات إنما تؤكد إمكانية نجاح مشروع بناء الأمم حتى في أكثر مناطق العالم بعداً عن احتمال تحقيق النجاح. لكن وللأسف فإن تحديات كبيرة تهدد قصة النجاح هذه. والأكثر مدعاة للأسف أن هذه التحديات لا تقتصر على التنامي الملحوظ لنشاط التمرد "الطالباني" فحسب, وإنما بسبب التهديدات التي تثيرها إدارة بوش نفسها في طريقه. ويتمثل هذا التهديد في حرص الإدارة وعزمها على خفض المساعدات المقدمة للجيش الوطني الأفغاني.

فعلى رغم اعتراضات الحكومة الأفغانية، يأمل الجيش الأميركي في خفض مساعداته المقدمة للقطاع العسكري الأفغاني بما يزيد على نسبة 25 في المئة, بدلاً من المساعدة في بناء جيش وطني قوامه 70 ألف جندي. وبموجب هذا التخفيض, فقد تقلصت الخطة الآن إلى بناء قوة عسكرية لا يزيد عدد أفرادها على 50 ألف جندي. والحجة التي يثيرها مسؤولو البنتاغون في إطار تبريرهم للخطة الجديدة هذه, هي "استدامة القطاع العسكري الأفغاني". والمقصود بهذا أن أفغانستان تعد من أفقر الدول النامية على الإطلاق, وأن ما يلزمها هو جيش وطني معقول تستطيع الإنفاق عليه دون أن يستنزف مواردها ويرهقها مالياً. ولذلك فإن جيشاً مؤلفاً من 70 ألف جندي, يقع خارج إطار التخطيط العقلاني الرشيد, الملائم لميزانيتها الدفاعية. ومع ما يبدو في هذه الحجة من منطق سليم, إلا أن مشكلة أفغانستان في الجانب الدفاعي على وجه الخصوص, أنها صارعت كل هذه السنوات الطويلة الممتدة, من أجل بناء الموارد الوطنية اللازمة لأمنها ودفاعها. وهاهي تحقق نجاحاً ملحوظاً في هذا المسعى ببناء جيشها الوطني, لولا التهديد الأميركي المشار إليه آنفاً بخفض قوته العددية.

والمشكلة الثانية أن المهددات التي تواجه بناء هذا الجيش لا تقف عند حدود ما سبق أن استعرضناه وناقشناه, بل تتعداها إلى وجود من يرى بين مسؤولي البنتاغون أن قوة الـ50 ألف جندي أفغاني المقترحة نفسها, لن تتحقق قبل حلول العام 2063, على زعم أن ذلك هو الموعد الذي ربما تتمكن فيه أفغانستان من الإنفاق على قوة عسكرية بهذا الحجم. وتحت أحسن السيناريوهات والفروض, فإن تحقيق هذا الهدف لن يكون إلا بموجب نمو اقتصادي قوي ومستمر على امتداد الخمسين عاماً المقبلة من عمر أفغانستان الحديثة. وفي تقديرات هؤلاء المحللين والخبراء, أن الأسلحة والمعدات الحربية التي يتم شراؤها الآن لأفغانستان, لن يعتريها البلى خلال مدة نصف القرن هذه. ثم خذ تقديرات وتكهنات البنك الدولي الأكثر تشاؤماً وواقعية في هذا الخصوص: فالمتوقع ألا تتمكن أفغانستان من الإنفاق على قوة عسكرية قوامها 50 ألف جندي, قبل حلول القرن السادس والعشرين!

ولكن السؤال: هل وضعت التقديرات والتكهنات الخيالية هذه لقدرات الإنفاق العسكري الأفغاني المستقبلي, في اعتبارها العواقب والمخاطر العملية الملموسة على أرض الواقع, لخفض المساعدات العسكرية المقدمة لأفغانستان؟ إن مثل هذه التكهنات تثير غضب المسؤولين في كابول, الذين يحتجون بأن قوة الـ70 ألف جندي نفسها, بالكاد تتلاءم والمساحة الجغرافية الشاسعة للبلاد, وتاريخ النزاعات والحروب الأهلية الممتدة التي خرجت منها أفغانستان للتو, علاوة على تنامي خطر التمرد "الطالباني" الجديد, وتطويقه للكثير من المدن الرئيسية في البلاد, بل وسيطرته على مناطق ريفية برمتها. وإذا كان هناك من يطمئن في واشنطن إلى نسبية استقرار الوضع الأمني في أفغانستان حالياً, فإنه لا يضع في الاعتبار عامل المباغتة والمفاجأة في انقلاب هذا الوضع وتبدله في أي لحظة من اللحظات.

وليست المهددات الأمنية الداخلية وحدها, بل مَن من مسؤولي البنتاغون, من يستطيع أن يحدثنا بكل اطمئنان وثقة, عما سيكون عليه حال أي من الدول المجاورة لأفغانستان خلال الأربع أو الخمس سنوات المقبلة, سواء كانت إيران من ناحية الغرب, أم موقف الصين وروسيا من منطقة آسيا الوسطى, أم باكستان جنوباً؟ هل ثمة ضمانات لمستقبل أمن أفغانستان؟

والشاهد أن التكهنات الأميركية بما يكون عليه الوضع الأمني الأفغاني الداخلي نفسه, قد أخفقت حساباتها, وذلك بتبدل الواقع من تكهنات تشير إلى انهيار تام وشيك لقوات "طالبان", إلى تنامي نفوذها وقوتها على نحو ملحوظ خلال العام ونصف العام الماضي, إلى ما يرجح احتمال استمرار مواجهات ونزاعات طويلة الأمد معها. وأسوأ ما يصيب تقديرات البنتاغون هذه في مقتل بسبب قصر النظر وقلة البصيرة, عدم أخذها في الاعتبار برغبة عدد كبير من المواطنين الأفغان في بناء علاقة تحالف وطيدة وراسخة مع الولايات المتحدة الأميركية. ولا تقلل من هذه الحقيقة بأية حال, أحداث العنف الدامية التي وقعت الأسبوع الماضي, برغم مشاعر العداء الواضحة لأميركا التي عبرت عنها. لذلك فلن نفعل شيئاً بخفضنا للمساعدات العسكرية المقدمة لأفغانستان حالياً, سوى إبعاد أصدقائنا وحلفائنا عنا, وعدم ضمان وقوفهم إلى جانبنا في مستقبل النزاعات والتحالفات.

زميل باحث بمعهد "أميركان إنتربرايز"

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الإتحاد الإماراتية- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست" -4-6-2006