خراب الروح قاسمنا المشترك

 

زهير كاظم عبود

 

لايمكن لمنصف ان يفصل عملية الخراب الأقتصادي  والاجتماعي والسياسي الذي حل في العراق منذ بداية تسلم البكر – صدام السلطة ولحد سقوط الطاغية عن الخراب الروحي الذي حل بالمواطن العراقي .

فقد عمدت السلطة ووفق منهج مخطط له أن تمعن في نشر قيم النفاق والرياء والدجل بين اوساط الناس كقيمة اجتماعية تعبر عن واقع الحال ، فلايمكن لمواطن أن يتم قبوله في الكليات او يتم تعيينه في سلك التعليم وهو من أشرف وأخطر الأجهزة في الدولة بالنظر لعلاقته بتعليم الأجيال القادمة ، والتي نشأت على العديد من قيم صدام لاحقاً والتي نحصد في أيامنا هذه زرعها ، مالم يقبل بالأنتماء الى حزب السلطة دون أي اعتبار لعقيدته أو أفكاره أو اعتزازه بأستقلاليته أو حتى عدم اعتقاده بصحة منهج  البعث  ، ونفس الأمر مع القوات المسلحة والشرطة والأجهزة الأمنية .

وكان المجتمع العراقي يعج بالقيم النبيلة والجميلة التي تبتدأ من البيت فالشارع والمحلة والمدينة والمجتمع بشكل عام ، هذه القيم توزعت بين النخوة والجيرة والشهامة ومساعدة الضعيف والتسامح والمروءة والأنسانية وفهم الدين والمذهب من منظار أنساني لاتشوبه النظرة الطائفية ولا توظيف الدين لصالح القصد السياسي والدنيوي ، بالأضافة الى كون الوظيفة مهمة نبيلة يقوم المكلف بها بأداء خدمة للمواطن الذي يحترمه ويحترم مركزه بالنظر لأحترام الموظف مكانته الأجتماعية وسط مجتمع يعج بالقيم الخلاقة .

وبالرغم من ان العراقيين يعرفون ان الكم الكبير من المنتسبين لحزب السلطة لم يكن يمثل الولاء الحقيقي للفكر البعثي ولاللسلطة ، الا أن رضوخ العديد من ابناء العراق لعمليات الحساب الكمي جعل السلطة توظف أعداد كبيرة منهم لصالح أجهزة الأمن والمخابرات فتوظفهم وكلاء لهذه الدوائر يتقاضون الأجور على حساب التقارير التي يقدمونها بحق أخوتهم واهلهم .

كما عمدت السلطة على أدخال الرعب في قلوب أهل العراق بغية الأسراع في الأستجابة لما طرحه من سياسات وأشاعات بقصد تمرير قضية ما ، وحين نستذكر قضايا عديدة لم تجد لها السلطة البعثية تبريراً غير أنها ساهمت في تمرير سياستها لتخريب قيم المجتمع العراقي ، وقد يكون أولها مسرحية المصارع عدنان القيسي وكميات الحنطة المسمومة بالزئبق التي قتلت العديد من الفلاحين الفقراء وقضية ( ابو طبر ) التي أخافت الشارع العراقي ومكنت السلطة من الدخول للبيوت دون سبب منطقي لتحصي أوضاع الناس الأجتماعية والأقتصادية والسياسية وتبرمج سياستها على هذا الأساس .

وتمكنت السلطة من توظيف المواطن في مراقبة جيرانه بعد ان كان هذا الجار يطمئن لوجود ظهير وأخ له في الشارع ، صار هذا الجار خطيراً الى درجة أن الخشية من تقارير الجيران صارت نصلاً لشفرات السلطة التي كانت تقدم على أعدام المواطن أذا كان التقرير يشير الى تطاوله على السلطة ولو بالكلام ، بالأضافة الى أعتماد التقارير التي تشكك بالولاء أو تتهم على الظن العديد من العراقيين .

وكان مختار المحلة من بين أبناء المنطقة المحترمين والذين يتميزون بمحبة الناس لهم وأحترامهم وتميزهم بخصال أنسانية وأجتماعية وكون المختار ملاذاً للبسطاء لحل مشاكلهم وخلافاتهم ، ابدلت السلطة المختار بوكيل للأمن من المنطقة وحزبي مرتبط بالحكومة لايتورع عن رفع التقارير الدورية عن ابناء المنطقة مع ملاحقة المعارضين وعوائلهم وأقتراح وسيلة الضغط عليهم وتعذيبهم نفسياً .

المختار بدلاً من ارتباطه بالمحلة واهلها ، ارتبط بضابط من ضباط الأمن وأصبح مطية مسخرة لخدمة أغراض السلطة الأمنية ، وصار جزء مهم من الشبكة الأمنية .

وظفت السلطة المواطن العراقي لمراقبة المدينة التي يسكنها وذلك بتقسيم المدينة الى محلات ، والمحلات الى مناطق ، والمناطق الى بلوكات ، والبلوكات الى شوارع ، وتخصيص مواطن عراقي ممن ارتبط بالحزب الحاكم لمراقبة وضع الناس السياسي والأجتماعي والثقافي وعليه أعداد سجلات متحركة يتم تسجيل كافة المواطنين الذين يسكنون الشارع مع تفصيل لكل حالتهم بشكل دقيق لدرجة انه يتعرف على المواليد الجدد وتاريخ وفاة المتوفين منهم والشهادات التي يحملونها .

وأنشأت السلطة جهاز للمخابرات ضم من بين منسبيه متخصصين في علم النفس وفن الأشاعة ، وبدأ بنشر الأشاعات وتطبيق قضايا بقصد كسر نفسية وكرامة العراقي وتطويعه لقبول الأذلال والأقرار بالأمر الواقع  وتمكنت السلطة من زرع الشكوك بين افراد العائلة الواحدة ، وسجلت وقائع تشير الى أقدام أب على قتل ولده لأرضاء السلطة او أقدام زوجة على الشهادة ضد زوجها ( مع أن الشهادة لاتصح قانوناً الا في حالة خاصة ) ، وكذلك تقارير الأخوة على اخوتهم والنساء على شقيقاتهن ، والفراش على رئيس داترته والجندي على الضابط ، حتى تحول العراق برمته الى هرم مراقبة ، كل واحد يراقب الأخر ، ووصل الأمر بالسلطة أن تعاقب من يستمع أو يشاهد ويمتنع عن الاخبار والشهادة .

وأصبح أيواء القريب اللائذ والملهوف والصديق ومساعدة السياسي والهارب  جريمة توصل مرتكبها الى الأعدام ، وصار في العراق أن تظهر الناس في التلفزيون قبل أن تتم محاكمتها وأدانتها ولو صوريا ، ووظفت السلطة الحلاقات والحلاقين  والممرضات والبغايا وعمال البارات والنوادي وسواق سيارات الأجرة والعديد من المهن الشعبية كمخبرين لاجهزة المخابرات والأمن .

وأزاء ما وصل اليه حال المواطن العراقي أقتصادياً أصبح من العسير عليه مساعدة المحتاج والملهوف أو الفقير فقد تحول الهم الى ان يمسك بما يستطيع لكفاية عائلته ، حيث لجأت السلطة الى عملية تقطير المواد الغذائية الأساسية للمواطن ، وأدخاله في نفق التزاحم والتدافع للحصول على البيض أو كمية متواضعة من الدجاج المستورد ، وهكذا فقد صار هم المواطن العراقي البحث عما يسد حاجته وعائلته ، وأصبحت قيم التعاون والتكاتف الأجتماعي وتفقد ابناء المحلة من الفقراء في خبر كان .

ضعفت قيم الحرص على أخلاق الشارع والمحلة ، وضعف معها قدرة الشيوخ والحكماء في المنطقة من التدخل في شؤون البيوت والناس ، وضعفت بالتالي العلاقات الأنسانية بين الجيران بحيث وصلت الأمر الى عدم معرفة الجار لجاره ، وعدم التدخل في شؤونه .

باتت القيم الهجينة والمتدنية والرديئة هي التي تحل محل القيم الجميلة والنظيفة والتي تبلورت في عقل الناس منذ زمن طويل .

يمكن ان نقول ان السلطة الصدامية البائدة استطاعت ان تخرب بعض القيم الجميلة ، ويمكن أن تحدث بعض الخراب في الروح العراقية ، لكنها بالتأكيد لاتستطيع القضاء على أصالة العراقي وقدرته على أستعادة القيم الروحية والأجتماعية ومسح القيم الدخيلة والبذيئة من حياة الأجيال القادمة للعراق الديمقراطي والفيدرالي .

كما عملت السلطة وبأمر الدكتاتور على تزوير وتحريف كل وقائع التاريخ العراقي القديم والحديث ، فقد أمر الطاغية أن يربط أسمه بأسماء قادة بابل وآشور وسومر وكلدان ، وأن يتم أبراز كل ماهو غير حقيقي في حياته وسلوكه ، وأمعن في توظيف طاقات وعاظ السلاطين بتغيير الحقيقة اينما وجدت ، وحفر أسمه البائس على صخور المدن البابلية والآشورية والسومرية ، وبذل جهداً محموماً من أجل تغيير حقيقة ثورة العشرين ومصادرتها ، وأمر بتزوير حركة التاريخ في العهد الملكي والجمهوري ، وحاول أن يطمس معالم ثورة 14 تموز 58 وأسماء قادتها ورموزها ، كما حاول أن يزور التاريخ البعثي  نفسه فقد طغت عليه فكره ( الأنا ) ليصبح وحده الذي يقول ويأمر ويصادر ويعطي .

فصار محركاً للأنقلابات وصار مفكراً وفيلسوفاً ومرجعاً  وقائداً للضرورة ورجل المرحلة وزعيم الأمة العربية ، وصادر كل أسماء وحقائق التاريخ الحديث ، وأمر بأتباع أخس الأساليب التي يخجل ابناء الشوارع أن يسلكها في معاداة المعارضين وأمر بأتباع اسلوب خسيس في قتل المعارضين ومن يملك المعلومات السيئة والسلبية عنه وأتهام القتيل بالأنحراف الخلقي وقضايا الشرف .

وليس بعيدة تلك الهجمة الشرسة التي شنتها أجهزة السلطة الصدامية ضد الحزب الشيوعي العراقي وتنظيماته وضد تنظيمات حزب الدعوة العراقي والتي ذبحت خلالها العديد من كوادر واعضاء الحزب وغيبت المئات الآخرين منهم ، وحاولت تزوير نضال هذه الأحزاب وبذلت الكثير في سبيل تشويه حقيقتهما دون ان تستطيع أن تنال من جدراهما الوطني .

ووظف الطاغية  كل طاقة الكتابات التاريخية عند العراقيين  لصالحه بالرغم من عدم قناعة الناس بما يكتبه كتبة السلطان  ومعرفتهم بعدم صحتها ، وأمعن في تزوير كتب التاريخ والأدب العراقي لتخريب العقل العراقي فصار شويعر  بديلاً عن محمد مهدي الجواهري ، وصار لآخرين  بدلاء عن بلند الحيدري وعبد الوهاب البياتي ، وصار أسماء  نكرات الثقافة العراقية من تحتويهم كتب الأدب في العراق  في المراحل المتوسطة والأعدادية .

عمدت السلطة الى تخريب الجيش ومثله التعليم في العراق بقصد ان تجعل من هاتين المؤسستين خاويتين وغير فاعلتين في كل الأحوال ، كما عمدت الى أخضاع المؤسسة الدينية وتسخيرها لصالح الطاغية وتمجيد الظلم والقبول بالحاكم الدكتاتور بأعتباره ولي الأمر من خلال وزارة الأوقاف ، ووظفت جهود من يتبرقعون بالدين ويلبسون العمامة زوراً ان تكون هذه المؤسسة داعية للتمجيد بالطاغية وتعمل الى جانب المؤسسة المخابراتية في العراق وعمدت على تزوير الحقائق التاريخية والدينية وترويج المذهبية من خلال أصدار كتب بأسماء وهمية وتوزيعها على الناس ، بالأضافة الى تخصص أقسام في جهاز المخابرات ودوائر الأمن العام مهمتها تزييف الحقائق وتشويه صورة التاريخ العراقي السياسي الحديث .

وأزاء عملية التزوير التاريخي الذي دأبت السلطة الصدامية القيام بها مع الأمكانيات المادية والمعنوية المتوفرة لها ، بالأضافة الى مساندة جهات عديدة في مساعدتها لتشوية حقيقة التاريخ ، فأن القضية الأساسية تكمن من كونها وأن استطاعت أن تزيف الحقائق وتشوه التاريخ العراقي ، الا أن العقلية الدينية والسياسية التي جاهدت ضد نظام وسلطة الطاغية بقيت تحتفظ بذاكرتها وفي ادبياتها بحقائق التاريخ العراقي دون تزييف ودون تشويه ، وعليها الان بعد ان سقط الدكتاتور وأفتضحت أساليبه في التزوير والتشويه أن تستعيد الكتابة بصدق العراقي الحريص على بقاء الحقيقة في الأصدارات الثقافية والسياسية والتعليمية . 

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر:القاسم المشترك -1-6-2006