لم تكن ليز بل سياسة الحكومة

 

 

لم تفت على كثير من القراء معاني القصة التي اوردتها في مقال سابق حول خروج مساعدة وزيرة الخارجية ليز تشيني من اجل وضع طفلها الخامس. كما لم يفوِّت البعض اعلان اعتراضه على اختزال السياسة العليا في قصة حمل السيدة ليز. القصة من قبيل التذكير هي ان المسؤولة الاميركية تتولى ملف ترويج الديمقراطية في المنطقة العربية وبقية دول الشرق الأوسط.

ووجهة نظر البعض من القراء على ما ذكرته سليمة في مفهومها، وهي ان السياسية الاميركية لا يديرها فرد حتى وإن كان بمكانة ابنة نائب الرئيس الأميركي. وإن غيابها بسبب الحمل لا يعني ان الحكومة الاميركية دخلت هي الأخرى مستشفى الولادة، فالذي يحكم اميركا مؤسسة لا أفراد.

وهو قول صحيح لولا انني اشرت في المقال الى ان الحكومة لم تعد بذات الحماس الذي كانت عليه قبل عامين عندما رفعت العصا بشكل صريح وأعلنت انها ستدعم الديمقراطية حتى لو كان ذلك على حساب اصدقائها وأقرب الأنظمة اليها. وبررت حكومة جورج بوش حينها سياستها تلك بأنها الضامن الأفضل لعلاقة صحيحة مع شعوب المنطقة لا انظمتها فقط، وان الارهاب سببه سوء الأنظمة. لكن ذلك الحماس، الذي ادى الى جملة انتخابات مفاجئة في عدد من الدول العربية، خبا خلال الأشهر القليلة الماضية. سبب الانتكاسة ربما هو النتائج المُخَيِّبَة لواشنطن، والذي افرزها الاقتراع الذي أوصل الأصوليين الى مراكز قريبة من القرار، كما حدث للإخوان المسلمين في مصر، وكذلك الأراضي الفلسطينية المحتلة. فحماس ما كانت تحلم بأن تمسك برئاسة الحكومة ووزاراتها لولا ان واشنطن أجبرت السلطة الفلسطينية على التوقف عن عمليات الاحتكار والتزوير وفتح باب التسجيل كاملاً. جاءت النتائج مخيبة لأن الذين وصلوا كليا او جزئيا لم يظهروا البراغماتية التي شوهدت في النتائج الانتخابية في دول اوروبا الشرقية، او حتى روسيا نفسها. صارت هناك قناعة جديدة تقول إن هذه الحركات المعارضة فاشية، وإن وصلت الى الحكم لن تسمح بتدويره ديمقراطيا وبحرية.

وجهة النظر هذه ليس سرا، انها وصلت واشنطن مرفقة بأدلة مثل تنكر حركة حماس للاتفاقات المبرمة سابقا مع السلطة الفلسطينية، وتكاثر الادلة على الممارسة السلبية للمعارضة المصرية. وعاشت العاصمة الاميركية جدلا حول سلامة فكرة دمقرطة المنطقة العربية، واتهم الرئيس بوش بأنه لا يفهم العالم على حقيقته.

خلال الاشهر القليلة غير البيت الأبيض لهجته. لم يقل إنه تخلى عن استراتيجيته بالدمقرطة انما هناك الكثير مما ينبئ عن ذلك مثل قول الرئيس انه يتفهم ظروف المنطقة، وتصريح وزيرة الخارجية انها تؤيد اشكالا «ملائمة» من الديمقراطية للمنطقة. كلمة مطاطة فيها استدارة على المشروع وعودة للسياسة السابقة. أما حمل ليز فهو ظرف مناسب سهل علي رواية قصة السياسة الجديدة، ولا يعني انها حملت بسببها، او أغلق المكتب وأوقفت السياسة بسبب حملها.

alrashed@asharqalawsat.com

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الشرق الأوسط اللندنية-31-5-2006