مقالات و محاضرات

 

 

العقيد العميد... ودروس في الزعامة!

 

مصطفي نجيب

 

احتفل الرئيس الأوغندي يوري موسوفيني مؤخراً بتوليه فترة رئاسة ثالثة لأوغندا بعد أن عدل دستور بلاده ليتمكن من ذلك. ولقد شجع موسوفيني علي ما أقدم عليه عميد الرؤساء العرب والأفارقة باعتباره أقدمهم ـ العقيد الليبي معمر القذافي الذي يرفض تسميته بالرئيس، ويصر علي أنه ليس رئيساً، وإنما هو قائد الثورة الليبية. كان القذافي حاضراً في حفل تنصيب موسوفيني لفترة رئاسته الثانية لأوغندا وسمع الرئيس الأوغندي يخطب في الاحتفال ويقول إنها ولايته الثانية والأخيرة حسب نص الدستور فتدخل قائلاً :

« تحديد المدة بولايتين ده في أمريكا.. أما نحن فزعماء، والزعماء لا تحدد فترة ولايته وزعامته!» .

ولقد أعجب موسوفيني بفتوي العقيد والعميد، معتبراً إياه صاحب الرأي السديد، فأقدم علي تعديل دستور بلاده بشكل يسمح له بالديمومة في منصب الرئاسة بوصفه زعيماً.

وكان العقيد الليبي قد أغدق بسخاء علي الرئيس الأوغندي بمناسبة حضوره مراسم تنصيبه لفترة ولايته الثانية فأهداه أسطولاً من سيارات المرسيدس الحديثة في إطار محاولاته المستمرة لكي يمد زعامته و»عمادته« إلي القارة الأفريقية السمراء.

وفي عالمنا العربي يبدو أن جميع رؤسائنا يعتبرون أنفسهم زعماء بمنطق الرئيس الليبي.. ولا أتكلم عن الملوك، فالنظم الملكية تحتم بقاء المالك علي عرشه حتي يلقي ربه فيخلفه ولي عهده.. وإنما أتحدث عن الجمهوريات العربية. هل يدلني أحد علي رئيس عربي واحد اكتفي بمدة رئاسة واحدة باستثناء حالة وحيدة فريدة تخص الرئيس السوداني الأسبق الفريق عبدالرحمن سوار الذهب الذي أعلن يوم توليه السلطة أنه لن يبقي يوماً واحداً بعد مرور عام واحد فقط، والتزم بالوعد والعهد الذي قطعه علي نفسه.. ولم يطمع في المزيد! أما الباقون فقد عجبهم الحال بعد أن تذوقوا طعم السلطة.

وما أقوله لا ينطبق فقط علي مصر وإنما نراه مطبقاً في اليمن جنوباً مروراً بالسودان وصولاً إلي ليبيا وتونس والجزائر غرباً. أما العقيد الليبي وعميد الرؤساء العرب ـ 37 عاماً ـ فقد أوجد لنفسه مخرجاً حتي لا تحسب عليه سنوات بقائه علي رأس السلطة الليبية، فأعلن عن نظام سماه الجماهيرية الليبية وقال إنه يعني حكم الشعب بالشعب من خلال ما أسماه باللجان الشعبية.. وراح يصر علي أنه لم يعد رئيساً للدولة، وإنما هو قائد وزعيم ثورة الفاتح من سبتمبر التي خلعت الملك السنوسي من فوق عرش ليبيا الملكية.. وبذلك ضمن لنفسه الديمومة، باعتبار أن الزعماء تبقي لهم الزعامة دون تحديد مدة زمنية لنهايتها طالما هو حياً يرزق متواجداً علي رأس النظام.

وأمام هذه الظاهرة التي ينفرد بها العالم العربي ودول العالم النامي ـ أو النائم لا فرق ـ فقد علق أحد الظرفاء مقترحاً أن تصنع مقاعد خاصة بالرؤساء من مادة التيفال حتي لا يلتصقوا بها وذلك تفعيلاً وتأكيداً لمبدأ «دوام الحال من المحال».

إن النظم الديمقراطية الحقيقية تحتم ألا تزيد مدة بقاء رئيس الدولة في موقعه علي ولايتين متتاليتين، وذلك حتي لا تتجمد الأمور ولإتاحة الفرصة لدم جديد وأفكار جديدة من أجل التطور ولضمان ألا تبقي المياه راكدة والوجوه ثابتة والسياسات متوقفة تراوح مكانها في وضع ما يطلقون عليه «محلك سر».

والحكمة المفهومة للنص في الدساتير علي ألا تتجاوز مدة ولاية رئيس الجمهورية مرتين متتاليتين هي عدم إتاحة الفرصة لقيام مراكز قوي من المحيطين برئيس الدولة، وبالتالي منع المحسوبية والفساد اللذين يتواجدان كنتيجة طبيعية لبقاء المسئولين من أهل الثقة في مناصبهم لسنوات طويلة تشجع ضعاف النفوس منهم علي استغلال مراكزهم للتربح وسوء استخدام السلطة اعتماداً علي نفوذهم بحكم ثقة رأس الدولة بهم وقربهم منه.

هل نري يوماً أحد الرؤساء العرب يعلن زهده في الحكم ويكتفي بما قدمه وما حصل عليه خلال فترة حكمه المحددة تاركاً الفرصة لسواه ليقدم فكراً جديداً ونظرة جديدة من أجل حل المشاكل التي تشكو منها الجماهير وعلي رأسها منح المزيد من الحرية وممارسة الديمقراطية الحقيقية وكذلك المحاربة الجادة للفساد في كل صورة بين الكبار قبل الصغار.

هل يكتب لنا أن نشهد هذا اليوم أم أننا نحلم أحلام اليقظة؟ فبعض الحكام لا يكتفي بالديمومة في موقعه وإنما راح يفكر في أن يتبع النهج السوري الذي ابتدع فكرة التوريث في النظم الجمهورية.. وها نحن نري عمليات الإعداد وتلميع الأبناء المرشحين للوراثة في كل من اليمن ومصر وليبيا تجري علي قدم وساق!!

تري أي الأحلام سوف تتحقق.. أحلام الشعوب أم حكامها؟ 

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: صحيفة الوفد المصرية-30-5-2006