المفيد والکافي في قراءة مستقبل القذافي

 

 نزار جاف

 

أسهب الکثيرون في شرح تلک الحالة من"الإستسلام الضمني"المکشوف و غير المشروط لنظام حکم العقيد معمر القذافي أمام الضغوطات الدولية عليه و إنبطاحه بصورة تکاد تکون مخزية حتى في الظروف الدولية الحالية.

وبرغم تلک المآخذ التي إنبرت العديد من الاقلام ذات الحس"العروبي"للترکيز عليها من حيث "تخاذل"بل وحتى"خيانة"وريث الناصرية وإبنها المدلل معمر القذافي لکل ما أؤتمن عليه من وصايا قومية و ثورية تقدمية، إلا أنه من الإنصاف أن الاقرار بأن الرئيس الليبي قد أنقذ فروة رأسه و جلد نظامه من سلخ محتوم کان ينتظره.

غير أن الامر اللافت للنظر، هو توهم تلک الاقلام بأن اللعبة الغربية"وتحديدا الامريکية"قد إنتهت و إن نظام النظرية العالمية الثالثة سوف يعيش في ثبات و نبات و يخلف نظريات أخرى من مختلف الاصناف و الاطياف، مثلما توهمت تلک الاقلام أيضا بأن أمر المعارضة الليبية قد إنتهت تماما وإنها قد ذبحت على معابد"إنبطاح"النظام الليبي، وهو أمر فيه الکثير من الخلط و عدم الوضوح في الرؤية فيما يتعلق بمستقبل الحکم الليبي و علاقته بالمجتمع الدولي، والحق إن الکثير من الذي أنجز دوليا بحق العقيد و نظام حکمه ماکان يتم لولا وجود المعارضة الليبية بمثابة سيف ديموقليس المسلط على رقبة النظام، ولولا فاعلية و قدرة هذه المعارضة ودورها النشيط، لما کان بمقدور المجتمع الدولي على دفع الرئيس الليبي الى تلک الزوايا الحرجة خصوصا وأن حجم البطحة الإستسلامية التي قام بها القذافي أمام الغرب تساوي تماما حجم و مدى تخوفه من المعارضة الليبية، کما أن هکذا دور إيجابي قدمته المعارضة الليبية للغرب لن يتم مکافئتها أبدا بدفعها الى الإنزواء کما توهمت الاقلام المشارة إليها آنفا، وإنما سوف تبقى الحاجة ماسة إليها خصوصا وأن نظام کنظام القذافي هو من النوع الذي لايؤتمن جانبه بسهولة کما أن لهذه المعارضة تواجد قوي على الارض في العمق الليبي وهو أمر تيقنت منه أجهزة النظام القمعية قبل الدوائر الإستخبارية الدولية.

ولاغرو إن الغرب خصوصا و العالم عموما مازال يتذکر الافعال"الصبيانية"للعقيد القذافي والتي کانت تتجاوز حدود الطيش و النزاقة و يکون حتى من الظلم أن نصفها بالحمقاء أيام ماکان هذا الحکم الدکتاتوري المستبد يحاول وضع نفسه في خانة الانظمة الثورية و التقدمية المؤيدة لحرکات التحرر في کل أرجاء العالم، تلک الافعال التي کلفت الشعب الليبي الکثير الکثير، ذلک إن تلک الاموال الطائلة التي بددها العقيد في نزواته الجنونية کان يمکن أن تساهم في بناء أسس إقتصادية قوية و راسخة تضمن مستقبلا مکفولا للشعب الليبي، وإن إنتهاء تلک الحقبة"الجنونية" من العمر"الثوري"للسيد معمر القذافي لم يفض کما يبدو الى بر أمان و سلام، بل هاهو يقحم أنفه مرة أخرى بأمور لا ناقة له فيها و لاجمل، فتارة يخرج علينا بمقترح إقامة دولة"إسراطين"لليهود و الفلسطينيين، وحينا آخر يطل علينا بفکرة"بطل الديمقراطية"ليس في ليبيا و إنما على مستوى العالم، هذا إذا وضعنا جانبا تلک الانباء الخاصة التي تتناقل عن"قفشاته"و"خزعبلاته"المثيرة لضحک مستمر قد يودي بالمرء جانبا، هکذا رجل يمتلک هکذا نظام، من الغباء التصور بإنه سوف يرکن للغة العقل و يرعوي من تصرفاته الرعناء، ذلک أن"من شب على شئ شاب عليه".

لقد نجحت السياسة الامريکية في إدخال القذافي و حکمه من خلفه في أمر ليس في يد العقيد شئ من توجيهه أو تحريکه، وإنما فقط الوقوف مثل تلک الاراجوزات التي يخيف بها الفلاحون العصافير، وقد فات البعض من المحللين أن أصول اللعبة الامريکية ـ الاوربية مع ليبيا تستند على نقاط مهمة من الممکن إجمالها فيما يلي :

1ـ سلب الحکم الليبي کافة مقومات قوته العسکرية و إرجاعه الى نقطة الصفر.

2ـ دفعه في مسارات سياسية جديدة عليه وتدفعه الى مواقف محرجة أمام شعبه خصوصا و شعوب المنطقة عموما.

3ـ حصره في زوايا ضيقة جدا و تثقيل"عيار"التعامل معه خصوصا ما يتعلق بمسألة الحريات الفردية و حقوق الانسان التي مازال أخونا العقيد يتمرس في إنتهاکها بأفضل الصور.

4ـ تهيأة البديل أو حتى البدائل الممکنة لدکتاتور بات يترنح ذات اليمين و ذات الشمال و ينتظر لحظة سقوطه الحتمية، وليس من المستبعد أن لم تقم الدوائر الاستخباراتية الدولية بما يلزم في الداخل الليبي خصوصا وإن تقارير مسربة تشير الى أن هناک عملية دفع لحکم العقيد للقيام ببعض الإصلاحات القسرية على بنية النظام وإن في رحم هذا التغيير مفاجأة معدة للعقيد القذافي!

بقى أمر واحد لابد من الأشارة إليه و الوقوف عنده، وهو أن کل نظام حکم سياسي شمولي يبدأ العد التنازلي لسقوطه، يرکن الى القيام بخطوات سياسية غير "مدروسة" و بعضها غير "مسبوقة"، نظير الحملة الايمانية التي شرع بها دکتاتور العراق المهزوم أو الحملة المخدراتية التي باشر بها الملا عمر لإغراق أعداءه بالسم و سلبهم المال أملا في إسقاط دولهم، ولابد من أن العقيد القذافي سوف يخرج علينا وفي مستقبل ليس ببعيد بمفاجأة نتوقعها طريفة نظير أن يذهب الى واشنطن وهناک وفي البيت الابيض يعلن إنتصاره على الادارة الامريکية ومن ثم يقدم إستقالته للرئيس الامريکي!

 nezarjaff@gmail.com

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: إيلاف -30-5-2006