بريطانيا تبحث عن حل بعد توني بلير

 

يسري حسين

 

عندما وصل توني بلير رئيس الوزراء البريطاني إلى «10 داوننغ ستريت», بعد فوز كاسح في انتخابات ايار (مايو) 1997، كان يمثل التجديد السياسي في الحياة البريطانية، التي كانت قد دخلت مرحلة الركود في الأيام الأخيرة من حكم مارغريت ثاتشر، ثم سنوات جون ميجور رئيس الوزراء السابق الذي ظل لسبع سنوات غير قادر على الحركة أو إلهام الشعب البريطاني بأفكار جديدة!

كانت الحالة قبل وصول بلير قد بلغت درجة من التردي, الذي فجر خلافات وانقسامات وتمزقاً داخل الطبقة السياسية الحاكمة، مع وصول عدد العاطلين عن العمل إلى ثلاثة ملايين شخص. وبدأ الجسم البريطاني يعاني الإرهاق والتعب لوجود حكومات المحافظين لمدة 18 سنة متواصلة، بدأت بثورة ثاتشر وانتهت بجمود ميجور!

وعندما تتجمد أمة، تبدأ أعراض الإعياء تظهر عليها اليأس السياسي والتوتر الاجتماعي والاختناق الفكري والاحتجاجات وتمرد قوى المجتمع المدني. ولعل أبلغ صورة عن هذا الوضع هي التي رسمها الكاتب محمد حسنين هيكل في كتابه «خريف الغضب»، حيث صوّر إرهاق الحياة المصرية بسبب صدمات الرئيس الراحل انور السادات الكهربائية, التي خبطت في حائط التوتر السياسي والطائفي والاجتماعي مما أدى إلى حادث اغتياله في السادس من تشرين الاول (اكتوبر) عام 1981.

قراءة كتاب هيكل تعطي إشارات الى أن العناد السياسي أدى إلى اغتيال السادات برصاص جنود وضباط مصريين، وجرى الحادث والرئيس وسط جيشه ورجال الأمن وفي حضور قيادات الدفاع والداخلية معاً.

كانت بريطانيا قبل وصول «حزب العمال الجديد» الى الحكم تعاني من شتاء غاضب وثقيل، تمثل في تمرد النقابات وصراع الفئات السياسية. وكان الحل هو اختيار القوى الجديدة الصاعدة التي استفادت من انقلاب مارغريت ثاتشر السياسي والاقتصادي حيث طبقت مبدأ «الرأسمالية الشعبية» في تمليك الفقراء للعقارات وادخالهم سوق الأسهم ودفعهم نحو ساحة الثروة والانطلاق الاجتماعي.

رغم قيادة ثاتشر لهذه الثورة بروح تجديدية، فقد اندفعت في أيامها الأخيرة إلى التعصب والجمود ومعاداة التغيير ورفضه ومناهضة الاتحاد الأوروبي، وأصبحت لا تستمع الى نصائح المستشارين أو الوزراء، وأصابها غرور العظمة السياسية. وكانت النتيجة اصابة الحياة البريطانية بالتوتر والقلق مع الإفلاس الفكري وغياب الأفكار المحركة للإبداع. قامت مجموعة من داخل حزب ثاتشر بالتمرد عليها وإخراجها من الحكم، في انقلاب أبيض تركت على اثره مقر رئاسة الوزراء باكية على عدم وفاء زملاء ورفاق الحزب، الذين نفذوا الانقلاب ضدها حتى يبقى المحافظون في السلطة!

هذه الحركة الانقلابية وضعت فرامل أمام تولي حزب العمال للسلطة تحت قيادة نيل كينوك آنذاك. وكان تغيير الوجوه وصعود جون ميجور إلى السلطة يعنيان أن التغيير هو أساس الحقيقة السياسية في المجتمعات الديموقراطية، بينما في الأخرى الشمولية فإن الإبقاء على شخص الحاكم هو الرد دائماً على دعوات التغيير والحركات التي تقول «كفاية» وتسعى الى التبديل لتجديد الحياة السياسية وضخ دماء جديدة في شرايينها.

وبعض المجتمعات يرى في الجمود استقراراً، ومحافظة على الأمن! لذلك تستخدم هذه المجتمعات القمع في قهر مطالب التغيير ونداءات الحركة السياسية. وتتولى محاصرة التيارات التي تطالب بتجديد الهواء وفتح النوافذ السياسية. وتعمل هذه الأنظمة على استخدام لغة العنف بدلاً من الحوار والاستجابة لمطالب مشروعة بقبول حركة التاريخ والواقع والانحناء أمام مصالح الشعوب، التي تقف مع مطلب تجديد دماء طبقتها السياسية باستمرار.

إن امبراطورية مثل الامبراطورية السوفياتية، أكل روحها الجمود والتعنت السياسي، وانهارت بشكل فاجع، نتيجة جمود قيادتها وتشبثها بالسلطة على حساب حركة المجتمع وقوى التغيير. وعندما جاء ميخائيل غورباتشوف لمحاولة الإنقاذ عبر الإصلاح، كانت خلايا النظام قد أصابها العفن والتآكل.

وعندما وصل توني بلير إلى السلطة في بريطانيا في ايار (مايو) عام 1997 كان يعبر عن أجيال نمت في عصر ثاتشر الرأسمالي المفتوح على المغامرة والتقدم السريع. وكان بلير نفسه يمثل موجة الشباب السياسي، ودخل البرلمان بأغلبية المقاعد، وكلها لوجوه شابة تعكس حيوية ونهضة وطموح مجموعات تمارس حقها في تجديد الجسم السياسي البريطاني.

وقاد بلير مع غوردون براون وزير المالية في حكومته، حركة التجديد داخل حزب العمال التقليدي، الذي خلع ملابسه الاشتراكية القاتمة، واستبدلها بأخرى رأسمالية زاهية تلتقي مع نبض الحياة البريطانية التي جددتها الأفكار الطموحة من خلال توزيع عادل للثروة وفتح نوافذ الفرص أمام جميع الطبقات.

لم يعط المجتمع البريطاني السلطة لتوني بلير إلا بعد قيامه بتغييرات جذرية، جعلت الحزب التقليدي في حالة جديدة تماماً مع برنامج يدفع نحو تطور واستلهام مطالب الرأي العام، الذي كان يتطلع إلى قوة تدفعه الى الأمام.

ويعجب المرء من مجتمع جذوره الديموقراطية بهذا العمق، ولا يزال يراهن على الإصلاح ويجدد نفسه بهواء جديد. وقد حققت ثورة بلير منح مقاطعة اسكتلندا برلمانها الخاص ومقاطعة ويلز مجلسها المنتخب، كما اصبح لمدينة لندن عمدة يتم انتخابه بصورة ديموقراطية.

وكان العمال فشلوا مع صعود حزب المحافظين إلى السلطة عام 1979 في الوصول إلى الحكم وسقط زعماء عماليون مثل مايكل فوت ونيل كينوك في معركة المنافسة الحزبية، حيث استمر العمال في خندق المعارضة لمدة 18 عاماً. لقد ابتدع الديموقراطيون التعددية وتداول السلطة باسلوب سلمي. وتمكن هذا الطريق من إنقاذ المجتمعات والاستجابة لنداءات التنمية والتوسع في مظاهر النهضة والتقدم.

إن المجتمع البريطاني بعد خروجه من الحرب العالمية الثانية، اتجه نحو إجراءات اشتراكية كانت هناك حاجة إليها. وتم ذلك عبر البرلمان والتشريعات من دون انقلابات عسكرية أو استخدام للدبابات. وعندما أصبحت القوانين الاشتراكية عقبة تخلصت منها مارغريت ثاتشر عبر البرلمان أيضاً، بسياسة التخصيص وبيع القطاع العام. وتم وضع الضوابط لانتقال هذه الملكية إلى قطاع خاص منتج، وإلى مساهمين من عامة الشعب. وقد أحدث بيع الشركات الحكومية، حالة من اليقظة الاقتصادية، انعكست في انتعاش سوق العقارات والأموال واتساع حجم الطبقة المالكة للأسهم والمشروعات الجديدة في بريطانيا.

وكأن التاريخ يعيد نفسه مرة أخرى، فتوني بلير الإصلاحي والتغييري أصبح عقبة أمام موجة تطالب بفتح النوافذ أمام قيادة جديدة للانتقال إلى ضفة أخرى في التقدم الاقتصادي والاجتماعي، مع صعود زعيم المحافظين الجديد ديفيد كاميرون، الشاب الطموح الذي يمثل إصرار المحافظين على العودة إلى السلطة.

بروز كاميرون الشاب يهدد بلير الذي انزلق إلى مصيدة العراق، وفشل في معالجة قضايا عدة حساسة متعلقة بالأمن الداخلي ومحاربة الإرهاب والسعي إلى تقليص مساحة حرية التعبير، بالإضافة إلى فشله في معالجة قضايا أخرى داخلية.

في بداية هذا الشهر عبر الرأي العام عن خصامه مع بلير المجدد الذي انتقل إلى مرحلة الجمود وانتهت ثورته بعد تسع سنوات في السلطة. وهناك حركة من داخل حزب العمال الحاكم تطالب رئيس الوزراء بالتخلي عن السلطة.

ورئيس الوزراء البريطاني عندما وصل إلى الحكم في عام 1997 كان أكثر وزراء بريطانيا شعبية. اما الآن فيتحدث الجميع عن ضرورة خروجه من الحكم، مع أنه إنتخب العام الماضي فقط لمرة ثالثة. وبلير يؤكد أن السلطة ستنتقل في الوقت المناسب إلى وزير المالية غوردون براون، بحيث لا يحدث خلل في نظام الحكم يهدد النمو الاقتصادي. لكن الرأي العام يستعجل هذا التغيير، مع وجود زعيم للمعارضة يطرق هو نفسه على أبواب التغيير حتى يتمكن من هزيمة العمال في انتخابات قد تجري عام 2008.

والعمال يريدون تكرار سيناريو المحافظين، لإطاحة بلير ومنح العرش السياسي لغوردون براون، لوقف زحف ديفيد كاميرون الذي يحلم مثلما كان يفعل بلير عام 1997 بهزيمة العمال والوصول إلى السلطة.

والتغيير في البلاد الديموقراطية سنة الحياة وليس بدعة. بينما في بعض الأقاليم مثلما كان يحدث في أوروبا الشرقية تضع أنظمة عنيفة وقديمة ومتخلفة المعارضين في السجون وتسحلهم في الشوارع، لأنها ترى أن التغيير رغبة غير شرعية ولا مستحبة وضارة باستقرار المجتمعات وتدفعها الى الفتنة والصراع والتوتر! وطبق قادة الاتحاد السوفياتي هذه النظرية واستمروا في السلطة حتى أسقطتهم رياح التغيير من دون أسف عليهم.

والنظرية الرافضة للتغيير لا تعتمد على اقناع سياسي، وإنما على قبضة الأمن. وهذا يثير الاحتقان, ويصيب الطبقات الشابة التي تطالب بحقها في الحكم بالإحباط، مما يدفع نحو التطرف وتكفير المجتمع الذي لا يفتح مسامه السياسية لنداء القانون الطبيعي في تعاقب الليل والنهار وتغيير الفصول.

لقد تعلم الغربيون حماية مجتمعاتهم وتطورها بالإيمان شبه المطلق بالتغيير. وقد بكت ثاتشر عندما خرجت من «10 داوننغ ستريت» بعد 11 عاماً في السلطة. ويبدو أن بلير سيبكي أيضاً لمفارقة هذا المقر الذي تدار منه دولة عظمى بحجم بريطانيا، ولديه تقليد ديموقراطي ينتهي بتغيير الساكنين فيه دائماً، ويرفض أن يحتفظ بساكن واحد وبعقد مفتوح بلا نهاية، حيث لا توجد في الديموقراطية عقود مفتوحة.

صحافي مصري

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الحياة اللندنية-30-5-2006