مقالات و محاضرات

 

 

خطة أميركية لاستخدام الصواريخ الباليستية في محاربة الإرهاب

 

مايكل آر. جوردون

 

يقوم البنتاجون في الوقت الراهن بالضغط على الكونجرس من أجل الموافقة على تطوير سلاح جديد، يتيح للولايات المتحدة إمكانية تنفيذ ضربات صاروخية ضد أهداف بعيدة في زمن لا يزيد على ساعة. وقد أدى هذا المقترح إلى إطلاق سجال متشابك حول ما إذا كان من الممكن أن يؤدي هذا البرنامج الذي يرمي إلى تعزيز القدرة العسكرية التقليدية للولايات المتحدة، إلى زيادة مخاطر حدوث مواجهة نووية بمحض الصدفة.

وتقوم خطة البنتاجون على تركيب رؤوس غير نووية للصواريخ "ترايدنت -2" المركبة في الغواصات النووية، لاستخدامها في مهاجمة المعسكرات الإرهابية، ومواقع الصواريخ المعادية، والمخابئ المشتبه بها للأسلحة البيولوجية، والكيماوية، والنووية، وغيرها من أنواع التهديدات العاجلة.

وإذا ما تم نشر تلك الصواريخ ميدانياً، فإنها ستكون السلاح الوحيد غير النووي المخصص للاستخدام في تنفيذ الضربات السريعة ضد أهداف تبعد آلاف الأميال، كما أنها ستعتبر إضافة للخيارات المتاحة الولايات المتحدة عند تفكيرها في شن هجوم استباقي.

ويقول الجنرال" جيمس ئي. كارترايت" رئيس القيادة الاستراتيجية العسكرية الأميركية، إن النظام سيعزز من قدرة البنتاجون على القيام بضربات "استباقية تقليدية" بدقة بالغة، مع الحد في نفس الوقت من "الأضرار الجانبية". وسيتكلف هذا البرنامج حوالى نصف مليار دولار على مدى خمس سنوات، ويسعى البنتاجون في الوقت الراهن إلى طلب النفقات العسكرية اللازمة لذلك من الكونجرس حيث طلب الحصول على 127 مليون دولار إضافي كي يبدأ العمل.

ونتيجة للخوف من قيام روسيا وغيرها من الدول بإساءة تفسير إطلاق صاروخ "ترايدنت" غير نووي، واعتباره أول دفعة صاروخية في الحرب النووية، فإن المشرعين الأميركيين، أصروا على أن تقوم الإدارة بتقديم خطة لتقليل درجة الخطر، قبل أن يتم إنتاج أو نشر أي سلاح جديد.

وفي إطار توضيح البرنامج للمشرعين قام "روسكو جيه. بارتليت" النائب الجمهوري عن ولاية ميريلاند، ورئيس اللجنة الفرعية للقوات المسلحة بمجلس النواب، بإلقاء الضوء على عدد من المواقف المحتملة. وكان من ضمن ما قاله بارتليت في هذا الصدد: "إن الحجة التي ينبني عليها المقترح الخاص بهذا البرنامج، هي أن هناك أوقاتاً -نادرة إلى حد ما- يكون فيها الوقت حرجاً للغاية، بحيث إنك إذا لم تكن قادراً على الضرب خلال ساعة، أو نحو ذلك فإنك ستفقد الفرصة".

وأضاف "بارتليت": "من المواقف المحتملة لذلك أن يشرع بعض الأشخاص في تركيب أسلحة إرهابية، وفي الوقت الذي يقومون فيه بذلك، يمكننا الهجوم عليهم وانتزاع هذه الأسلحة منهم.. وإذا ما فقدنا هذه الفرصة فإن هناك إمكانية كبيرة جداً لأن نفاجأ بهذه الأسلحة وقد ظهرت في شوارع نيويورك أو واشنطن دي سي".

ومن ضمن الأسباب الأخرى التي تبرر مثل هذا البرنامج، الحاجة إلى تدمير صواريخ العدو المزودة برؤوس كيماوية، وبيولوجية، ونووية، قبل أن يقوم العدو بإطلاقها على الولايات المتحدة أو حلفائها.

ولكن بعض النقاد، آخذين في اعتبارهم الوجود الأميركي الضخم في العراق وأفغانستان وكوريا الجنوبية، يقولون إن الظروف التي يمكن أن يكون فيها الهدف موجوداً في مكان لا يمكن أن تصل إليه الطائرات الحربية الأميركية، أو طائرات" بريداتور" التي تطير بدون طيار، هي ظروف قليلة للغاية في حقيقة الأمر. ومن ثم فإن الحصول على معلومات دقيقة من النوع الذي يمكن أن يعطي الرئيس ثقة كافية في إصدار الأمر بإطلاق صواريخ باليستية خلال ساعة يعتبر في الحقيقة فرضية أقل ما يمكن أن يقال عنها إنها يجب أن تدفع الكثيرين منا للتروي قبل أن تتم الموافقة على اقتراح كهذا.

ولكن الجنرال" كارترايت" يقول إن السلاح سيعطي الرئيس خياراً للاستجابة بسرعة لذلك النوع من الأخطار المباشرة التي يمكن -أكثر من غيرها- أن تكون هي نمط التهديدات المألوف في القرن الحادي والعشرين، دون الاضطرار إلى اتخاذ الخطوة الجذرية الخاصة باللجوء إلى الصواريخ الباليستية المسلحة نووياً.

ومن ضمن الأسئلة الأساسية المثارة في هذا الصدد: وهل يقوم البنتاجون بالاستعداد لمواجهة تهديدات جديدة على حساب مضاعفة المخاطر النووية القديمة؟

في إطار المحاولات الرامية إلى إيجاد إجابة لمثل هذا السؤال أدلى "جيمس شليزنجر" و"هوارد براون" وزيرا الدفاع الأميركي السابقان بدلوهما في هذا المضمار، وكتبا مقالة في صفحات الرأي في "الواشنطن بوست" يحثان فيها الكونجرس على الموافقة على المنظومة الجديدة.

أما القلق المتعلق بروسيا فيتركز على ما إذا كانت هذه الدولة قادرة على التمييز بين إطلاق صواريخ "ترايدنت- 2"، وبين الضربة النووية الحقيقية، خصوصاً بعد أن تدهورت شبكة الإنذار المبكر الخاصة بها عقب سقوط الاتحاد السوفييتي. وهناك أيضاً مخاوف أخرى حول الصين التي تمتلك قدرات محدودة يمكنها بها الكشف عن الصواريخ الباليستية القادمة.

لكل ذلك، أصرت لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ الأميركي على أن تقدم لها الإدارة تقريراً بشأن الكيفية التي يمكنها بها أن تقوم بالتخفيف من المخاطر، قبل أن يتم إنفاق الأموال في تصنيع أو نشر هذه الصواريخ.

وفي خطوة موازية طلبت لجنة القوات المسلحة بمجلس النواب الأميركي من دونالد رامسفيلد تقديم تقرير بشأن المباحثات التي أجراها مع الدول الأخرى بشأن هذا الموضوع، مع تقديم شرح وافٍ للطريقة التي سيتم بها استخدام تلك الأسلحة. مع ذلك سعت لجنة القوات المسلحة إلى تعطيل البرنامج من خلال تقليص معظم المخصصات المالية المطلوبة للبحث والتطوير الخاص بالرأس الحربي الجديد.

وقال الجنرال "كارترايت" أيضاً إنه يمكن اتخاذ مجموعة من الإجراءات للتقليل من احتمال وقوع خطأ في الحساب. ومن ضمن الخطوات التي يمكن اتخاذها في هذا المجال، إخطار روسيا وغيرها من الدول عندما تقوم الولايات المتحدة بإطلاق صاروخ تقليدي من نوع "ترايدنت- 2". ومن ضمن الإجراءات الأخرى المقترحة في هذا المجال السماح للدول الأجنبية بالحضور كمراقب في الاختبارات التي سيتم إجراؤها على هذه المنظومة.

أما خبراء مراقبة استخدام الأسلحة النووية فهم منقسمون بشأن الحكمة من هذا البرنامج. فـ"ستيف أندرسيان"، المستشار العسكري السابق لمجلس الأمن القومي الأميركي، يرى أن هذا البرنامج سيقوض الأمن الأميركي من خلال إزالة "التابو" المفروض حول استخدام الصواريخ بعيدة المدى، وتحويل الإنفاق عن الاحتياجات الدفاعية الملحة.

أما "بروس بلير" رئيس معهد الأمن العالمي فيري أن البرنامج يعتبر امتداداً لاتجاه مرحب به، يرمي إلى استبدال الأسلحة التقليدية بمنظومات نووية، مع مراعاة استخدام ضوابط كافية لتجنب خطر اندلاع مواجهة نووية.

أما الروس من جانبهم فهم يبدون اهتماماً ضئيلاً بمسألة تسهيل الحصول على موافقة الكونجرس على منظومة الأسلحة الأميركية الجديدة. فخلال زيارته الأخيرة إلى روسيا ناقش الجنرال "كارترايت" هذا الموضوع مع القادة العسكريين الروس محاولاً شرح الحكمة منه لرئيس الأركان الروسي الجنرال يوري باليويفسكي.

ولكن الجنرال الروسي أعلن معارضته لهذا البرنامج كما يتبين من تصريح أدلى به أمام صحفيين قال فيه: إن زملاءنا الأميركيين يقولون إن الغرض من هذه المنظومة هو قتل أسامة بن لادن، وأنا أرى أن البرنامج في تلك الحالة سيكون مكلفاً جداً، علاوة على أنه لن يضمن تحقيق هذا الهدف (قتل بن لادن) في حين أنه يمكن من جهة أخرى أن يكون سبباً في رد فعل لا يمكن إيقافه من دولة مسلحة نووياً، ليست لديها القدرة على تحديد نوع الرأس النووي المثبت على الصاروخ المنطلق".

مراسل نيويورك تايمز في العاصمة الأميركية واشنطن

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الإتحاد الإماراتية- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز" -30-5-2006