مقالات و محاضرات

 

 

الخوف من حرية الفكر

 

د. أحمد البغدادي

 

بلاد العرب سواء منها الدستورية أو غير الدستورية , شعوباً وحكومات تخاف من شيء اسمه: حرية الفكر, وفي كل المجالات الدينية والسياسية والفنية والثقافية عموماً. كل شيء في هذا العالم التعيس مصنّف دون وضوح كافٍ بين الحلال والحرام, وما يجوز وما لا يجوز, ما هو متفق مع العادات والتقاليد أو غير متفق معها.

كل القوانين يتم تشريعها لصالح الاستبداد وتضييع الحقوق الإنسانية. الفكر يعد جريمة بموجب قانون الجزاء الذي يفترض أنه قانون للجرائم المعروفة, من قتل وغش وتزوير وهتك عرض واعتداء مسلح وسرقة واغتصاب وخطف وسلب, لكن عندنا في بلاد العربان يتم التعامل مع "الجرائم" الفكرية بعقوبات أشد من العقوبات المقررة للجرائم التقليدية! خاصة إذا كان الموضوع له علاقة بتأويلات أو اجتهادات حول بعض المسائل الدينية. وفي هذا المجال يتمُّ نحْر الحرية الفكرية وتوابعها من حرية رأي إلى حرية تعبير إلى حرية دينية, وكأننا نعيش في القرون الوسطى. والحقيقة أن واقعنا المزري هذا توأد فيه الحريات على مذبح القانون, وبلا خوف أو حياء.

والسؤال الآن:

لماذا نخاف من الحريات الفكرية, في حين نمارسها بكل جنون عندما نسافر إلى الخارج؟ إما أننا مصابون بمرض نفسي اسمه: "فوبيا الحرية"، أو أن النزعة الاستبدادية متأصلة فينا ولا نريد الفكاك منها طوعاً واختياراً. إذا كان الأمر يتعلق بـ"فوبيا الحرية", أي الخوف من الحرية, فالعلاج سهل ويكون بالتدرب على الحرية تدريجياً, أو الدخول في مغامرة مرة واحدة كما حدث لكثير من دول المنظومة الاشتراكية بعد إسقاط الاتحاد السوفييتي السابق في بداية التسعينيات. وها هي الدول الاشتراكية والشيوعية تتعافى من آلام الماضي وتمضي قدماً في طريق الديمقراطية بثقة. ومن الواضح أننا غير مصابين بـ"فوبيا الحرية", بدليل تمادي الشعوب وبعض الأنظمة العربية في الاستبداد, حيث التشدد غير المبرر منطقياً وأخلاقياً تجاه غير المسلمين والليبراليين وحريات الصحافة وتزوير الانتخابات وسيادة الإرهاب الفكري .

إذن, لا يتبقى سوى الجانب الآخر من الموضوع, وهو أننا واقعون في هوى نفي الحرية على المستويين العام والخاص, الدولة والناس. ولابد من تفسير منطقي لهذا السلوك غير السوي بمقياس الإنسانية والعقل. من الواضح أن القضية تتصل بالإنسان العربي العادي ذاته كمستبد صغير وخاصة هنا الرجال أكثر من النساء, إذ لا يجب أن ننسى أننا في مجتمع ذكوري يحبُّ فيه الولد أن يستبدَّ بالبنت, والزوج بالزوجة, والرئيس بالمرؤوس, والأستاذ بالطالب.... إذن من العدل والإنصاف أن يخضع جميع هؤلاء المستبدون على المستوى الفردي للاستبداد الجمعي الرسمي. ولعل هذا يفسر الموافقة الإجماعية على استبداد بعض الحكومات. وقديماً قيل "الظلم بالسوية, عدل بالرعية"!! وأمّة العرب هي الوحيدة التي مجَّدت "المستبد العادل"! بالله عليكم , كيف يجتمع النقيضان؟! أليست هذه قلة عقل؟ وكيف يكون المستبد عادلاً, بل لماذا سمي مستبداً من الأصل؟!

العرب بحاجة إلى من يجبرهم على ممارسة الديمقراطية من الصغر من خلال التعليم, وهو ما يحتاج معه العرب إلى نسف كامل للمناهج التي يدرسونها. الطفل العربي يحتاج إلى أن يدرس معاني الدستور والقانون وقيم الديمقراطية وكيفية ممارستها.... لكن هيهات أن يتحقق له ذلك والمناهج تعلمه: "والظلم من شيم النفوس...".

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب نصاً كما ورد في المصدر المذكور.

المصدر: الإتحاد الإماراتية-30-5-2006