مقالات و محاضرات

 

 

استراتيجية تدمير البدائل لنظام المهازل

 

د. سعد الدين إبراهيم

 

كتب المعارض المصري د.سعد الدين إبراهيم مقالاً في صحيفة الراية القطرية  بعنوان استراتيجية تدمير البدائل لنظام المهازل الذي تناول فيه موضوع الإصلاح السياسي في مصر و أزمة القضاة و موقف الرئيس المصري حول هذه الأزمة فيقول الكاتب:

 دأب الرئيس علي ترديد عبارة أنه "لا يتدخل في شئون القضاء"، أو "علي القضاة أن يحلوا مشكلاتهم الداخلية بأنفسهم.." يقول ذلك أو عبارات أخري بنفس المعني، "وبراءة الأطفال في عينيه" (كما يقول الشاعر وتردد الأغنية الشهيرة لاتكذبي . يقول الرئيس ذلك وكأنه مسكين، لا ذنب له في المشكلة. يقول ذلك وكأنه لم يعين وزير العدل الحالي، الذي هو جزء من السلطة التنفيذية؟ وكأن هذا الأخير لم يأخذ الضوء الأخضر، إن لم يكن الأمر المباشر من الرئيس شخصياً قبل إحالة المستشارين الجليلين، محمود مكي وهشام البسطويسي، إلي محاكمة تأديبية، كانت القشة التي كادت تقصم ظهر البعير؟ يقول الرئيس ذلك وكأنه غير مسئول عن تجميد مشروع قانون استقلال السلطة القضائية لأكثر من خمسة عشر عاماً، رغم وعوده المتكررة، والتي بدأت في مؤتمر العدالة، الأول عام 1986 أي قبل عشرين عاماً وكان أخرها أثناء حملته الانتخابية لرئاسة خامسة، في خريف العام الماضي (2005).

هذا هو الرئيس المتأني لدرجة التلكؤ المقصود، لأكثر من خمس عشرة سنة، هو نفسه الذي دفع بتعديل دستوري أي أهم من أي قانون في أقل من خمسة شهور (بين 28 فبراير و 25 مايو 2005)، فسبحان مغير السرعات، من السلحفاة الرئاسية إلي الصاروخ الرئاسي!

فليحل القضاة مشكلاتهم مع مجلس الشعب. فهذا الأخير هو "سيد قراره". لقد أصبح تكرار هذه الادعاءات تقليداً راسخاً في عهد مبارك الميمون، وتابعه أحمد فتحي سرور.

و في تعليق على إعتقال المعارض المصري و السرعة التي تمت بها العملية بين رفع الحصانة البرلمانية و إعتقاله يقول الدكتورسعدالدين  إبراهيم ساخرا  ً:

لقد وقعت خلال نفس السنة التي تم فيها التعديل المشوه للمادة 76 من الدستور، وتفاقمت فيها أزمة القضاة ونادي القضاء، القبض علي د. أيمن نور، عضو مجلس الشعب (عن دائرة باب الشعرية)، ورئيس حزب الغد. وكانت السرعة المتناهية التي تم بها طلب رفع الحصانة البرلمانية، ثم النظر في الطلب وإقراره، في أقل من 24 ساعة، ثم إلقاء القبض عليه في غضون دقائق من انتهاء جلسة مجلس الشعب التي رفعت فيها الحصانة، وبعد خطوات من خروجه من مبني المجلس، وفي الشارع في وضح النهار، وعلي مرأي من آلاف المارة في تلك المنطقة المزدحمة وسط القاهرة! مما أوحي للناس أن هناك أموراً خطيرة قد وقعت أو وشيكة الوقوع. من ذلك أن يكون حرباً، أو سراً حربياً، أو خيانة عظمي، أو جريمة قتل قد وقعت، أو أن الرجل يحمل في جيوبه أو حقيبته مخدرات أو مواد مشعة أو مستندات تمس الأمن القومي ويقتضي الأمر القبض عليه فوراً، أي وهو "في حالة تلبس..."  .

طبعاً اتضح لأيمن نور وللرأي العام في الداخل والخارج أن السبب المعلن لهذه الدراما المثيرة هو سبب هزيل، يقع مثله بالآلاف كل يوم وهو الادعاء بالتزوير في أوراق، قدمت لجهة رسمية للحصول علي رخصة لحزب الغد، الذي أسسه ايمن نور، بموافقة هذه الجهة (لجنة الأحزاب) قبل أربعة شهور (أكتوبر 2004). المهم قليلون في الداخل والخارج هم الذين صدقوا هذا السبب الهزيل. فمن ناحية تأخذ لجنة الأحزاب ما بين سنة وعشر سنوات، لفحص الأوراق التي يتقدم بها طالبو الترخيص بما في ذلك برنامج الحزب، وصحة الإقرارات الخاصة بهم. وهذه هي المرة الأولي، وربما الأخيرة خلال ثلاثين عاماً هو عمر اللجنة وعمر التجربة الحزبية الحالية، التي يثار فيها موضوع تزوير توقيعات بالنسبة لأي من الأحزاب العشرين التي وافقت عليها اللجنة، أو الخمسين حزباً التي رفضتهم ومن ناحية ثانية كان يمكن إلغاء الترخيص بقيام حزب الغد، عملاً بالقاعدة القانونية "أن ما يبني علي باطل، فهو باطل"، علي فرض أن توقيعات المؤسسين"مزورة". أي أن الأمر في أسوأ الأحوال، وعلي افتراض صحته ووقوعه ومسئولية أيمن نور عنه، لم يكن يستحق هذه المهزلة، أو إلقاء القبض علي الرجل بهذه الطريقة.

و بشأن الرواية الرسمية عن الإتهامات الموجه إلى أيمن نور يقول الدكتور:

لذلك لا يلام معظم الناس في الداخل والخارج للصدمة عدم تصديق الرواية الرسمية لحكومة الرئيس محمد حسني مبارك. ولا يلام الناس علي سعيهم للبحث والتأمل والتخمين حول الأسباب الحقيقية للقبض علي أيمن نور والتنكيل به علي مرأي من الجماهير، كما لو كانت الرسالة هي أن يجعل منه النظام أسوة للآخرين من أمثاله .

و في مجال الحملة العنيفة و الواسعة التي تشنها السطات المصرية على كل أشكال الرفض السلمي للوضع القائم يقول الكاتب :

لذلك أيضاً تعاطف الناس مع أيمن نور في مواجهة النظام. وتعاطفوا أيضاً مع القضاة، الذين يريدون استقلالهم في مواجهة السلطة التنفيذية التي يتربع حسني مبارك علي قمتها منذ ربع قرن. وتعاطفوا مع الصحفيين في مطلبهم الخاص بإلغاء عقوبة حبس الصحفيين في مخالفات وجرائم النشر والاكتفاء بتوقيع عقوبات أخري مثل الغرامة والمصادرة وإيقاف صدور الصحيفة أو المطبوعة، أو حتي سحب ترخيصها. تعاطف الناس أيضاً مع المهندسين، الذين تعرضت نقابتهم لفرض الحراسة، منذ عدة سنوات، دون أسباب مفهومة من مهندسي مصر، الذين يتجاوز عددهم المائتي ألف. وقد فعل نظام الرئيس مبارك ذلك مستعيناً بالقانون رقم 100 للنقابات المهنية، الذي يعطي السلطة التنفيذية (جهة الإدارة) في ظل ظروف استثنائية مثل المخالفات الجسيمة أو الصراعات الحادة التدخل وتعيين حارس مؤقت إلي أن تنصلح الأحوال. ولكن الحكومة استمرأت هذه الرخصة للانقضاض علي نقابة المهندسين العتيدة للسيطرة علي مقدراتها، ولا تستجيب لطلباتهم المتكررة بالدعوة إلي جمعية عمومية، لانتخاب مجلس إدارة جديد، يتسلم النقابة ويدير شئونها كما جرت العادة. وقرأنا أن المهندسين اضطروا لمحاولة عقد جمعية عمومية، علي الرصيف أمام مبني نقابتهم بشارع رمسيس، قبل أسبوع. ولكن جحافل الأمن المركزي فرقت جموع المهندسين بنفس الطريقة الشرسة، التي دأبت الحكومة مع أي تجمع شعبي، أو مظاهرة سلمية، كما شهدنا منذ مظاهرات 25 مايو 2005، والتي انتهكت فيها أعراض المتظاهرات، وهو ما أثار اشمئزاز واحتجاج دوائر واسعة في الداخل والخارج.

و في نهاية المقال يشرح الكاتب الأساليب التي مارستها الحكومة المصرية  لمواجهة هذه الإعتراضات فيقول :

وهكذا نري كل الفئات المهنية الرئيسية في حالة سخط علي نظام الرئيس مبارك. وقد رأينا مظاهرات التعبير عن هذا السخط، لا فقط بين القضاة والصحفيين والمهندسين، ولكن أيضاً بين أساتذة الجامعات والمحامين والأطباء، فضلاً عن الطلبة والعمال. وكان التضامن الواسع لكل هذه الفئات مع القضاة هو تلخيص وتكثيف لهذا السخط العام. وقد حاول النظام أن يكسر هذا الإجماع الشعبي علي رفضه، بالعنف تارة، وبإشاعة أن الإخوان المسلمون هي المحرك الرئيسي لكل هذه المظاهرات تارة أخري، أو بالتراجع التكتيكي تارة ثالثة، ثم الانقضاض الانتقائي مرة رابعة. وقد رأينا نماذج لهذا كله خلال شهر مايو 2006 ففي الوقت الذي استخدم فيه النظام أسلحة البطش والتنكيل مع المتضامنين مع القضاة والمهندسين، فقد تراجع تكتيكياً في المحاكمة التأديبية للمستشارين محمود مكي (براءة) وهشام البسطويسي (لوم) إلا أنه في نفس اليوم رفض الطعن بنقض الحكم الظالم ضد د. أيمن نور. وهو ما يعني حرمان الرجل من حقوقه السياسية إلي عام 2016، أي إلي ما بعد الانتخابات الرئاسية القادمة (2011)، والتي يذهب كثيرون إلي أن ذلك كان الهدف منذ البداية، وحتي تخلو الساحة من أي منافس حقيقي.

و في النهاية يشرح الكاتب السبب الرئيسي وراء هذه الحملة العننيفة التي يشنها نظام مبارك على المعارضة حيث يقول :

أكثر من ذلك لاحظ المراقبون أن نظام الرئيس مبارك، بما في ذلك أجهزته الأمنية والإعلامية، يتعمدون تدمير كل البدائل الإيجابية المعتدلة، بحيث لا يظل علي الساحة إلا هم من ناحية، والإخوان المسلمون من ناحية أخري. وبالتالي لا يكون أمام الطبقة الوسطي، ورجال الأعمال، والأقباط، والعالم الخارجي إلا اختيارهم، مهما كانت أخطاؤهم أو خطاياهم. إن حملات النظام وعملائه علي كل البدائل جعله يرتكب من المهازل والمخازي ما يضحك أحياناً ومن المآسي ما يبكي في كل الأحيان. فلا حول ولا قوة إلا بالله.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر:الراية القطرية-29-5-2006