مقالات و محاضرات

 

 

البنتاجون و"سي آي إيه"... صراع على المهام والأدوار

 

مارك سبنفيلد

 

إن كان ممكناً الاهتداء بالماضي القريب, فإن من المفترض ألا تستغرق جلسة الاستماع التي يعقدها مجلس الشيوخ يوم الخميس المقبل, للنظر في ترشيح الجنرال "مايكل هايدن" لتولي إدارة وكالة الاستخبارات المركزية, زمناً يذكر في التحقق من تاريخه العسكري. وخلال أي من العقود القريبة الماضية, كان مجرد التفكير في تعيين شخصية عسكرية على قمة الهرم القيادي لوكالة "سي آي إيه" المدنية, يثير جدلاً وخلافاً. غير أن الاختلاف الآن يكمن في أن ترشيح الجنرال هايدن صادف وقتاً قطعت فيه وزارة الدفاع شوطاً بعيداً في توسيع دورها في العمليات الاستخباراتية. ويصف الخبراء "هايدن" بأنه يتمتع بالاستقلالية والحيْدة, وبعدم ترجيح لي ذراعه من قبل البنتاجون. غير أن لهذا الأمر كله علاقة بالكيفية التي تعيد بها الحرب الدولية المعلنة على الإرهاب, هيكلة مؤسساتنا الاستخباراتية في مجملها, وما إذا كان من الحكمة أن تلقي "البنتاجون" بعبء جسيم من هذه العمليات على عاتقها.

وربما أكثر من أي وقت مضى, فقد أصبح تحقيق أي نجاح أو نتائج إيجابية في هذه الحرب, يعتمد إلى حد كبير على العمل الاستخباراتي الجيد والتحرك السريع الفعال. ومن هنا فليس ثمة غرابة في أن تسعى وزارة الدفاع إلى توسيع نفوذها ودورها الاستخباراتي. ذلك هو رأي "مايكل أوهانلون" المحلل بمؤسسة "بروكنجز" بواشنطن. ولذلك فإن المسألة الواجب إثارتها هي أين يمكن رسم الحدود الفاصلة بين العملين العسكري والاستخباراتي؟ ومثلما هو في كافة الأمور التي تتضمن نشاطاً سرياً استخباراتياً, فإنه يتعذر معرفة من مِن الأفراد يؤدي أية وظائف ومهام على نحو صريح ومباشر خلافاً لما هو عليه الحال في المهام غير السرية. ثم إن الهيكل الاستخباراتي الأميركي نفسه, لم يستطع بعد الفكاك من أسر ذلك الجهاز البيروقراطي الضخم, المؤلف من ست عشرة وكالة عسكرية ومدنية.

ولكن الملاحظ أن البنتاجون قد سلطت مجساتها الاستخباراتية وأقمارها الاصطناعية على القدرات العسكرية للعدو أكثر من غيرها تقليدياً. وللسبب عينه فقد خصصت نسبة 80 في المئة من الميزانية الاستخباراتية الأميركية العامة, للوكالات والأجهزة التابعة لوزارة الدفاع. إلى ذلك تترك العمليات والمهام الأخرى مثل مكافحة الإرهاب وغيرها, لمختلف الوكالات التي منها "سي آي إيه". وخلافاً لذلك التقليد المعروف, يلاحظ اليوم أن قادة "البنتاجون" يولون اهتماماً أكثر من ذي قبل للعمل الاستخباراتي. من ذلك على سبيل المثال, إنشاء دونالد رامفسيلد في عام 2003 لوظيفة جديدة في وزارته, هي وكيل الوزير للاستخبارات الدفاعية, وجعله منها ثالث أعلى وظيفة مدنية في وزارته. وفوق ذلك, أعربت البنتاجون عن اعتزامها التوغل إلى ما كان حكراً على وكالة "سي آي إيه" في الماضي.

من ذلك ما نقل عن تبرم دونالد رامسفيلد من انتظاره لتقارير "سي آي إيه", قبل إجرائه أية اتصالات بلوردات الحرب الأفغان, قبيل شن الغزو الأميركي على أفغانستان. ومنذ ذلك الحين, تواترت التقارير عن مبادرة وزارة الدفاع لابتعاث فرق استخباراتية خاصة بها إلى الخارج, تكلف بمهام التعاون مع العمليات الخاصة لمكافحة الإرهاب. والهدف وراء هذا التوغل ليس استبدال وكالة "سي آي إيه", وإنما عدم الاعتماد عليها في المعلومات الاستخباراتية التي تؤثر مباشرة على العمليات العسكرية. وهناك من يبرر هذا السلوك بطبيعة النزاع الذي تواجهه أميركا في حربها الدائرة حالياً على الإرهاب. وعلى حد قول المحلل "جون بايك" -من منظمة الأمن العالمي- فقد تدنت قدرات "سي آي إيه" في القيام بالمهام الاستخباراتية ذات التأثير المباشر على العمل العسكري المضاد للإرهاب خلال عقد التسعينيات, في حين شهدت القدرات العسكرية الاستخباراتية صعوداً ملحوظاً منذ أزمة الرهائن الأميركيين في طهران.

غير أن "بايك" وغيره من المحللين والمراقبين, يبدون قلقاً من أن تكون "البنتاجون" تسعى للتوغل أبعد مما يجب في مجال العمل الاستخباراتي. وكما نعلم فقد كانت المسؤولية عن العمليات السرية, التي لا يمكن تعقب أثر الولايات المتحدة الأميركية أو دورها فيها, من اختصاص وكالة "سي آي إيه" وحدها. أما الجيش فقد تمتع بحرية تامة بالقيام بالعمليات السرية التي يصعب استقصاؤها, ويمكن أداؤها دونما إذن أو تصريح من الكونجرس.

والخوف من أن توسع البنتاجون –بل هي وسعت سلفاً- نطاق عملياتها الاستخباراتية لتشمل المهام السرية الحساسة. والنتيجة هي استفزاز العدو وإطلاق عقاله نحوك على حد تعليق المحلل "بايك". وعلى الرغم من ميل المؤسسة العسكرية إلى وصف هذا النوع من العمل والمهام, بالرد العسكري على العدو, فإنها تبدو لعامة الأميركيين, كما لو كانت استفزازاً عدوانياً لا مبرر له.

وعلى الرغم من إصرار "البنتاجون" على القول بالتزامها بقانون العمل الاستخباراتي, فإن الخوف أن تصطدم مع وكالة "سي آي إيه", وأن تتضارب خطاهما وهما تسعيان وراء تحقيق المهمة الاستخباراتية ذاتها. إلا أن من رأي "جون ماكلوكلين", المدير السابق بالإنابة لوكالة الاستخبارات المركزية، أن للقادة العسكريين مصلحة مشروعة ومبررة في أن تكون لهم قدرات استخباراتية فاعلة يعول عليها. ولذلك فإن من واجب وكالات الاستخبارات المدنية, التعاون التام والوثيق مع نظيراتها العسكرية, بدلاً من الاصطدام معها.

محرر بصحيفة "كريستيان ساينس مونيتور"

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر : الإتحاد الإماراتية- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"-24-5-2006