مقالات و محاضرات

 

 

  الصراحة حلوة:

                            هل إصطلح الأبناء دون إذن الآباء ؟!

 

المهندس مصطفى الصادق

 

فوجئ الكثير من المراقبين بخبر الزيارة الغير معلنة لنجل الرئيس المصري جمال مبارك إلى واشنطن في الأسبوع الماضي و تباينت ردود الأفعال.فمن المعارضين المصريين من راءها كجزء من مشروع يعد له الرئيس المصري منذ سنين الا وهو مشروع التوريث. و أخرين أعربوا عن إحباطهم من مواقف الإدارة الأمريكية بشأن دعم الديموقراطية والإصلاح في الشرق الأوسط و... .

لكن الأسبوع الماضي حمل أكثر من خبرمفاجئ فأعلنت واشنطن تطبيع العلاقات مع ليبيا وفتح سفارتها في طرابلس بعد قطيعة دامت نحو ثلاثة عقود.

وهذا الموقف التي أعلنته واشنطن تجاه لييبا كان للبعض بمثابة تأكيد على ما كانوا يرددونه بتراجع دعم الإدارة الأمريكية لمشروع الإصلاح في المنطقة ليس هذا فحسب بل دعمها الضمني لمشروع التوريث في كل من مصر وليبيا.

هذه الفكرة قد تكون صائبة وخاصة لو أخذنا بعين الإعتبار أن منْ لعب دوراً محوريا في تسوية الأزمة الليبية مع الغرب وخاصة الولايات المتحدة هو سيف الإسلام القذافي نجل العقيد القذافي الذي يعتبره الكثير في الغرب بمدبر صفقة لوكربي وصفقة تخلي ليبيا عن مشروعها الطموح بشأن أسلحة الدمارالشامل ليحل محل القذافي الأب في مشروع توريث اخر يحاك له منذ أكثر من عقد.

والمعارضة الليبية أيضاً اعربت إحباطها لمثل هذه المبادرة من جانب الولايات المتحدة.

السؤال كيف يمكن تحليل مواقف الإدارة الأميركية هذه ؟

هل تخلت إدارة الإدارة الأميركية عن دعم مشروع الإصلاح في المنطقة نهائياً ويمكن القول بأن ذلك أصبح شيئاً من التأريخ؟

إن مابين السطور واحيانا ما في السطور نفسها تدل على أن الإدارة الأمريكية هي الأخرى تشعر بنوع من الإحباط تجاه أحزاب المعارضة في الشرق الأوسط وكان احدث تلك المواقف هي التي عبر عنها ديفيد وولش مساعد وزيرة الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى وقال بأن لا يوجد في مصر العدد الكبير من أحزاب المعارضة من الأساس!.

إن ما أعربته المعارضة في كل البلدان التي كانت ولا تزال تعاني من الإستبداد والظلم والقمع ليست بوادر تدعو للأمل لدى الأميركيين فهذه المعارضة إما أظهرت طابعاً إستبدادياً أكثر من الحكومات أحياناً مثلا الأزمة التي عصفت بحزب الوفد المصري مؤخراً أو المعارضة لن تستطع إقناع الشارع بالإصطفاف وراء مشروعها الإصلاحي لأنها لن تحمل رؤية واضحة بشأن الإصلاح في مختلف المجالات هذا مزيداً عن عدم وضوحا رؤيتها بشأن الديموقراطية خصوصاً لو تعارضت مع مصالحها الحزبية مستقبلاً.

لكن من الواضح أن رسم الستراتيجية في الغرب يختلف إخلافاً تاماً مع ما هو قائم في الشرق. فمن خصوصيات الغرب وخصوصاً الولايات المتحدة هي المرونة والبراغماتية والقدرة على التأقلم مع المستجدات.

إن الولايات المتحدة و بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر أعلنت قناعة تفيد : أنه من الضروري لأمنها وتدعيم مصالحها الحيوية نشرالحريات و الديموقراطية في الشرق الأوسط وفعلاً إستطاعت من خلال ضغطها المتزايد على الأنظمة لتبني الإصلاحات ولو أنها كانت جزئية وظاهرية احيانا لكن في واشنطن حاليا هناك من يعتقد أنه طالما بدأت المسيرة فلن تتمكن الأنظمة الرجوع عن تلك الخطوات بسهولة مع إستمرار الضغط لصالح الإصلاحات . يبدوا أن مشروع واشنطن للإصلاح تقاطع في نقاط والتقى في نقاط اخرى مع التوريث فبررت البراغماتية ربما في واشنطن توظيف التوريث لصالح الإصلاح على المدى البعيد او المتوسط !! للإلتفاف على تحديات ومصائب الإصلاح ولاسيما مع ترديد ما يعكس أن المعارضة غيرمهيئة والأحزاب غير ديمقراطية والبديل غير جاهز او غير مأمون و... الخ  .

فمن هنا ربما ترى الولايات المتحدة أنه لو تم تمرير ملف التوريث بنجاح مع أخذ التنازلات والضمانات بما فيها بعض الإنفتاح والإصلاح من الأبناء!! فذلك سيمنحها فرصة :

1- للتفرغ لمعالجة بعض الملفات المحورية المعقدة مثل الملف العراقي والإيراني والأفغاني وغيرها مما هو ساخن وخطير ومصيري .

2- للعبور من مرحلة إنتخابات الكونغرس في نوفمبر القادم ومن ثم التهئ فالعبور من الإنتخابات الرئاسية الأمريكية القادمة .

3- لخلق إنظمة أقل قوة وتماسكا وإستقرارا حيث مع تمرير التوريث ستتعامل مع سيف الإسلام الشاب بدلا من معمر القذافي في ليبيا ومع جمال مبارك الشاب بدلا من حسني مبارك وسيكون لكل منهما معارضين وموافقين داخل النظامين وتبرز مشكلات الحرس القديم مع الحرس الجديد وكل ذلك الضعف والإصطفاف والصراع يمكن تجييره لصالح الإصلاح مستقبلا بإستغلال ذلك الوقت الإضافي الجديد لصياغة معارضة جديدة مطمئنة على النظام البديل بعد سقوط سيف الإسلام وجمال مبارك .

إذا كتب لذلك النجاح ولم تتغير الأجندة فأن ذلك يستغرق اكثر من عقدين ربما .

هذا التحليل هو الذي يدفع البعض للقول بأن مشروع الإصلاح قد يتعثر و يعاني من الفتور بحسب الظروف من حين إلى اخر لكن هو المشروع الوحيد الذي لا بديل له وأن التراجع في دعم الإصلاح تكتيك وان التوريث في ليبيا ومصرسيكون القشة التي تقصم ظهر البعير في نهاية المطاف. لقد اتخذت الولايات المتحدة قرارا نهائيا في الخمسينات بالقضاء على الشيوعية لكن لم يتفكك الإتحاد السوفيتي وليس فقط تبعا لذلك القرار إلا بعد 4 عقود تقريبا .