مقالات و محاضرات

 

 

...وتبقى الخطابة فنا نتعلمه

 

ثريا الشهري

 

بثت محطة «سي إن إن» الأميركية لقطات لأحد خطابات الرئيس جورج بوش، وهو يتوقف بعد أول جملة من كلامه لتبدو عليه أمارات الحيرة في استكمال الباقي، إنها اللحظات التي سبقت الخطاب الرسمي للرئيس وكان يتدرب فيها على الإلقاء، والتي لم يلق نقلها للمشاهدين مباركة البيت الأبيض، وسواء كان بثها خطأ أو مقصوداً تظل مادة للحديث عنها، فكما ان للكتابة إنشاء فكذا فإن للكلام إنشاء آخر، ومن يجيد الأول قد يجيد الثاني وقد لا يجيده، فالسواد الأعظم من مشاهير الكتاب لم يكونوا خطباء، ليس لأنهم لم يحسنوا التكلم ولكن لأن كتابتهم لا توافق المنابر، فالمكتوب ينال بالنظر ويذاق بالفكر، أما المقول فلا يصل إلى القلب إلا إذا مر على الأذن التي لها بدورها إحساس يجب إرضاؤه، فالشعور الذي يثيره السمع ليس كالذي تولده القراءة، وكم من خطب قرأناها بعد زمن فلم تعمل في أنفسنا ما فعلته في جمهورها، وما من فرد يطلب الإقناع وهو لا يعلم مواضع الحجج في صناعة الجدل والخطابة إلا كحاطب ليل يسعى على غير هداية، لا لبخل في الموضوع بل لفقر في التوجيه، فالخطابة أساسها العاطفة، فلا يكتفي صاحبها بالإقناع دون التحميس الذي يسبقه الإيمان بالقضية وإلا اعتبر متكلماً وليس بليغاً، غير أن البساطة من أجمل الحلل التي يلبسها الإنشاء الخطابي بعد الإحساس، ولا أعني بذلك ابتذال الكلام أو النزول بأساليب التعبير عن مقامها ولكنها موافقة الزمان والمكان وأحوال أهله النفسية، ليأتي بعدها دور الخيال الذي يجدد انتباه السامع ويدفع عنه الملل، والذي ينبغي أن يراعي معه عدم الإسهاب كي لا ينتهي بمن يسمعه إلى السأم، تماماً كما أن إطالة النظر إلى الغدير الجاري واستمرار الاستماع إلى خريره ليفضيا بنا إلى النعاس! وعلى كل، تبقى آفة الخطابة التطويل، فالإكثار من الأدلة المنطقية والإغراق في الشرح والتعليل قد يكون جائزاً في نثر الكاتب حيث المتسع من الوقت للتأمل وعرض المسألة على العقل للتفنيد، ولكنه لا يتفق كثيراً مع قواعد السمع حيث الجملة تلحقها الأخرى ولا قبل للسامع معها بالمراجعة أو الوقوف، ولكن الاضطرار إلى اتباع الخطيب والتعلق بالتقاط أقواله، وبما أن قابلية الجمهور للإصغاء ليست واحدة، يظل لزاماً أن تأتي الكلمات المسموعة واضحة ومختصرة، فبقدر ما يقتصد الخطيب، بقدر ما يستثمر استيعاب المتلقي لإدراك معانيه، وهو الأفضل مع الخطب السياسية والعسكرية التي ينبغي ألا تدع بمباشرتها مجالاً للاستفاضة.

قيل إن البلاغة في الصوت والملامح مثلما هي في اختيار الكلمات، فما صحة ذلك؟ لا ريب في أن جمال الشكل واعتدال القامة من المساهمات في قوة وقع المنطوق به، ولكنها ليست واجبة، فهذا ميرابو، خطيب الثورة الفرنسية، بلغ من الدمامة مبلغاً لم يمنع معاصريه من الإعجاب به، ذلك لأن جمال النفس الذي يتجلى عند الكلام في الوجه وتحديداً في منطقة العينين ليخلع على المتكلم سحنة عادة ما تنسي السامع معها قبح الخارج وخاصة بعد انقضاء الدقائق الأولى، ومع هذا، لا تلغي أهمية المضمون ضرورة الإلمام ببعض الوسائل التي على الخطيب الالتفات إليها، كمثل الصوت وطبقته والإشارة ووزنها، فالتلاعب في الصوت بين صعود وهبوط بتغيير النبرة والنغمة والوقفة بحسب المعنى والصورة والعاطفة، مع تحاشي إضعاف الصوت في خواتم الجمل، لهي من الأمور التي لها أبعادها في إزاحة التململ والاستحواذ على تركيز السامع، غير الإشارة وما لها من احتياج يشارك النطق في نقل الفكر، صحيح أن من الخطباء من لا يكثر استعمالها كما أن منهم من يفرط فيها، ولكنه شان غالباً ما يرتبط بعادات الخطيب وبيئته، وعلى العموم، ينبغي على الخطيب أن يكون طبيعياً فلا يلجأ للإشارة في كل حال ويكتفي بالتوظيف المناسب لها إما توكيداً أو ترجمة لما لا يمكن التعبير عنه بالكلام.

والآن، ماذا عن التحضير والتثقيف؟ لنتفق على أن الارتجال بمعنى الكلام من غير تفكير لشيء إذا حققنا لا نجد له أثراً، فالخطيب لا يستطيع التكلم بما لا يعرف، فإذا كان عارفاً بموضوعه، فتكون التهيئة قد حصلت بالفعل بما وعاه ذهنه، أما النوع الآخر فيراد به ارتجال تركيب الألفاظ والإفراغ الآني للمعاني في قالب من التعبير، وظهور الخطيب بهذا المظهر غير المستعد فيه ازدراء بالحاضرين، واعتداد بالنفس يقارب الدعاوى الفارغة، بيد أن الارتجال بكل ما فيه من نقص التدقيق والتنميق يبقى ممكنا مع توافر سعة الاطلاع ومطاوعة القريحة وسرعة البديهة وامتلاك ناصية اللغة، فهو ليس بالأمر الهين ولكنه يتطلب المران منذ الصغر وفي المدارس من خلال تأسيس شبه مجامع فكرية علمية تقوم على طرح القضايا للمناقشة والمناظرة بين الطلاب، فمن حسنات الألفة أنها تزيل الكلفة فتشجع على القول، وعودة إلى الاستعداد نضيف أن الإعداد المسبق ليعد من خصائص الخطابة مع مراعاة تجنب إظهار الخطيب للسلالة عند الإلقاء، ذلك لأن التكلم بدون جهد ظاهر ومن غير ارتسام لسمات التفكير والتفاعل على المحيا، تصور المتحدث وكأنه منقطع عما يقول.. وحديثه مجرد درس استظهره، مما ينزل بالتأثير عن غايته، فبالرغم من الفريق الذي يقف وراء كتابة خطب معظم الرؤساء، إلا أنها حقيقة لا تنفي ما على الرئيس من مسؤولية إظهار شخصه وكأنه صائغ لأفكاره، مع مرونة إضافة ما يجدّ ويكون وليد اللحظة، فمن يكون مقيداً بجمل معدة سلفاً تفوته الاستفادة من الفرص التي تعترضها جملة واحدة مرتجلة فتفعل بها فعل الخطاب بأسره. وأخيراً، مقدرة الخطيب ليست في انتقاص كرامة الغير أو إثارة التصفيق الذي لا يدل دائماً على الاستحسان بقدر ما هي في انتقاء الكلمة وصدق المعلومة واستجلاب السكوت الدال على الإصغاء، وكما قالها روسو يوماً: «أنا أطلب من كلامي نجاحاً لا انتصاراً».

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الشرق الأوسط اللندنية-22-5-2006