واشنطن تسعى إلى توقيع اتفاق سلام مع بيونج يانج

 

ديفيد سنجر

 

كشف مسؤولون في الإدارة الأميركية، فضلاً عن دبلوماسيين آسيويين عن وجود مقاربة جديدة في التعامل مع كوريا الشمالية اقترحها مستشارون كبار للرئيس بوش وتقضي بالدخول في مفاوضات قصد إبرام اتفاقية سلام بين الطرفين، في نفس الوقت الذي تستمر فيه جهود تفكيك البرنامج النووي لكوريا الشمالية. ومن المرجح، حسب مساعدي بوش، أن يصادق الرئيس على المقاربة الجديدة بعدما أخضعت لنقاش مستفيض من قبل جميع مكونات الإدارة الأميركية. ولن يقدم بوش على هذه الخطوة ما لم تعد كوريا الشمالية إلى طاولة المفاوضات السداسية حول برنامجها النووي الذي توقفت المحادثات بشأنه منذ شهر سبتمبر الماضي. ويأتي الاستعداد الأميركي لإنهاء حالة الحرب غير المعلنة مع كوريا الشمالية وسط مطالب بيونج يانج المتكررة بتوقيع اتفاقية سلام وإنهاء الهدنة التي تعود إلى 1953.

ورغم إصرار الرئيس بوش منذ توليه الرئاسة على عدم إنهاء العزلة الاقتصادية والدبلوماسية المفروضة على كوريا الشمالية إلا بعد تفكيكها لبرنامجها النووي، بدأ الموقف الأميركي يداخله اللين بعدما ألمحت الإدارة الأميركية إلى إمكانية استفادة كوريا الشمالية من بعض الحوافز في نفس الوقت الذي تعمل فيه على تفكيك برنامجها النووي. وإذا ما سمح الرئيس بوش بإجراء مفاوضات لتوقيع اتفاقية سلام مع كوريا الشمالية بموازاة مع استئنافها للمباحثات مع الأطراف الستة حول نزع سلاحها، فإن ذلك سيدشن تغييراً جوهرياً في أسلوب تعامل الولايات المتحدة مع كوريا الشمالية. ويعزو البعض هذا التغير في الموقف الأميركي إلى القلق المتنامي من البرنامج النووي الإيراني، حيث قال أحد المسؤولين الآسيويين الكبار الذي استمع إلى موجز حول نقاشات الإدارة الأميركية "هناك شعور لدى المسؤولين الأميركيين بأنهم لا يستطيعون ترك كوريا الشمالية تقدم نموذجاً لإيران كي تصبح الأخيرة دولة نووية".

وليس واضحاً بعد ما إذا كانت كوريا الشمالية بزعامة كيم يونج إيل، ستوافق على الانخراط في مباحثات جديدة، وبخاصة في حال إدراجها لقضايا حساسة مثل التغيير السياسي، وحقوق الإنسان، والإرهاب، وانفتاح البلد، وهي القضايا التي يصر الرئيس بوش على أنها جزء أساسي من المباحثات. وفي ظل انهماك أميركا في الحرب على العراق ونزاعها مع إيران يشكك العديد من المسؤولين الأميركيين البارزين في إمكانية انهيار حكومة كوريا الشمالية، أو إقدامها على نزع سلاحها خلال الفترة المتبقية من ولاية الرئيس بوش. في ظل انسداد الأفق تحمل الإدارة الأميركية المسؤولية لكل من كوريا الجنوبية والصين اللتين استمرتا في إمداد كوريا الشمالية بالمعونات حتى في ظل سعي الولايات المتحدة إلى قطع مصادر دخلها الرئيسية. وبعدما كان الرئيس بوش خلال فترته الرئاسية الأولى يكرر مرارا أنه لن يسمح بتحول كوريا الشمالية إلى دولة نووية، أصبح اليوم قليل التطرق لأسلحة كوريا الشمالية، مقتصراً على إجراء لقاءات بين الفينة والأخرى مع الفارين من النظام الكوري الشمالي في البيت الأبيض والإشارة إلى معسكرات الاعتقال المنتشرة في البلاد ومعاناة سكانها تحت قمع النظام وتسلطه.

وليس خافياً أن بوش تعرض لبعض الضغوط الضمنية لتغيير موقفه الذي بلوره خلال فترته الرئاسية الأولى والمتعلق بتغيير النظام. وفي هذا الصدد كتب وزير الخارجية الأسبق هينري كيسنجر في مقال نشرته "واشنطن بوست" يوم الثلاثاء الماضي يقول "إن التركيز على تغيير النظام في كوريا الشمالية كسبيل لنزع سلاحها النووي يخلط الأوراق". ورغم إشارة الاستخبارات الوطنية الأميركية في تقديرات لها تم تداولها على نطاق واسع بين المسؤولين الأميركيين بأن كوريا الشمالية استطاعت إنتاج ما يكفي من الوقود لتصنيع عشرات القنابل النووية وذلك منذ اعتلاء الرئيس بوش سدة الرئاسة، إلا أنه في ضوء التقديرات الاستخباراتية الخاطئة بشأن الأسلحة العراقية لم تشر التقديرات ما إذا كانت كوريا الشمالية قد حولت الوقود إلى أسلحة بالفعل. ويذكر أن الاستراتيجية الجديدة في التعاطي مع كوريا الشمالية جاءت بمبادرة من وزيرة الخارجية كوندليزا رايس وأحد كبار مساعديها "فيليب زيليكو" إثر فشل المفاوضات السداسية حول البرنامج النووي لكوريا الشمالية في الوصول إلى تسوية.

وكانت كل من كوريا الشمالية والدول الخمس المشتركة في المباحثات-الولايات المتحدة، وكوريا الجنوبية والصين واليابان وروسيا قد وقعت على اتفاقية في شهر سبتمبر الماضي تلزم بيونج يانج بالتخلي عن أسلحتها والانضمام إلى معاهدة حظر الانتشار النووي، إلا أنها تركت مسألة ما الذي سيأتي أولا نزع السلاح أم تقديم الحوافز دون توضيح. وتضمنت الاتفاقية الموقعة جملة اعتبرت أنها تمهد الطريق للمبادرة الأميركية الجديدة جاء فيها "على الأطراف المعنية أن تعمل على التفاوض بشكل مباشر للتوصل إلى منظومة للسلام في شبه الجزيرة الكورية" من دون أن تحدد الخطوات التي يتعين على كوريا الشمالية اتخاذها لتحقيق تلك المنظومة. وحسب ما صرح به مسؤولون في الإدارة الأميركية، رفضوا الكشف عن هويتهم، يعتزم الرئيس بوش ومعاونوه الشروع في مفاوضات حول اتفاق سلام رسمي يشمل الدول الموقعة على الهدنة وهي الصين وكوريا الشمالية، ثم الولايات المتحدة التي وقعت نيابة عن الأمم المتحدة. وستضاف إليهم أيضا كوريا الجنوبية التي أصبح اقتصادها يحتل المرتبة الحادية عشرة على المستوى العالمي بعدما رفضت التوقيع على الهدنة في المرة السابقة.

وبخصوص الاتفاق المحتمل بين الطرفين رفض مجلس الأمن القومي الأميركي التعليق على المحادثات التي جمعت الولايات المتحدة بكوريا الشمالية محيلاً الموضوع إلى وزارة الخارجية التي أجرت المباحثات. وفي هذا الإطار صرح "شين ماكورماك"، المتحدث باسم الخارجية الأميركية قائلاً "لقد تم التوقيع على بيان مشترك، لكن على كوريا الشمالية أن تتخذ قراراً بالتخلي عن أسلحتها النووية وبرنامجها الحالي". ومع أن كوريا الشمالية كانت دائماً تبرر عدم رجوعها إلى طاولة المفاوضات بالعقوبات المالية التي تفرضها عليها الولايات المتحدة والرامية إلى وقف النشاطات البنكية لكوريا الشمالية في بعض المدن الآسيوية، إلا أن أميركا من جهتها تطلق على تلك العقوبات "إجراءات احترازية" الغرض منها الحد من عمليات التزوير التي تقوم بها كوريا الشمالية للعملة الأميركية.

محرر الشؤون الخارجية في " نيويورك تايمز"

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الإتحاد الإماراتية- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز"-21-5-2006