مقالات و محاضرات

 

 

تروس... ونفوس

 

خليل علي حيدر

 

كتب خليل علي حيدر في صحيفة الإتحاد الإماراتية مقالاً بعنوان تروس...و نفوس مما جاء فيه:

يؤخذ علينا، أبناء وبنات العالم العربي، في أوساط الباحثين والدارسين، أننا قوم نعشق الخطوط العامة والأهداف المعلنة... ولا نعبأ بالتفاصيل. فإذا قيل لنا إن "الاشتراكية هي الحل"، سارعنا إلى تأميم "وسائل الإنتاج" من شركات وبنوك ومصانع وعقارات وعمارات، وسلطنا الأقلام والأفلام على فساد الأثرياء وترف التجار، ونفضنا الغبار في تراثنا عن كل ما قيل في العدالة الاجتماعية وفضائل الزهد والفقر، وتوالت تصريحات المسؤولين عن قرب حل مختلف المشاكل، وانتقالنا إلى مصاف المجتمعات الحديثة.

ويضيف الكاتب في فقرق اخرى :

وإذا نادى البعض، من أمثالي، بأن الديمقراطية والخصخصة والاقتصاد الحر هي الحل، تصور معظمنا أن كل مشاكل الكويتيين والإماراتيين والمصريين والسوريين والتوانسة والمغاربة، سرعان ما تجد طريقها إلى الحل، بمجرد تطبيق الديمقراطية وخصخصة المؤسسات والشركات، وتحرير الاقتصاد... وما أبعدنا بالطبع، في كل هذه الحالات وغيرها مما جربنا أو سنجرب، عن النجاح والتقدم. ذلك أن نجاح الحلول الاقتصادية والسياسات الاقتصادية والتحولات الاجتماعية- الثقافية- القانونية، عملية في غاية التعقيد. وهي في الحقيقة "وصفة" أو تركيبة أو خلطة لا يسهل الاهتداء إليها، ولا توجد مركبة مخلوطة جاهزة على أي رف أو في أي مخزن، ويحتاج نجاحها، إن كانت قائمة على علم صحيح وفهم دقيق، إلى إخلاص الحكام وجدية النخبة وتفاني عامة الناس... والنجاح في التنافس الاقتصادي.

تملأ مؤلفات قائد الثورة الروسية "لينين" أكثر من خمسين مجلداً، وقد كرس المناضل البلشفي حياته السياسية والشخصية في سبيل نجاح الثورة الاشتراكية والشيوعية، وكتب أعنف وأدق المقالات والبحوث عن الاستغلال الرأسمالي والطبقي بحق العمال والفلاحين في روسيا القيصرية. ورغم أن ثورته نجحت عام 1917 وهيمن حزبه الشيوعي على روسيا، إلا أن لينين اكتشف فوراً كم كان مخطئاً وحالماً سياسياً واقتصادياً، عندما تحطمت الحياة الإنتاجية بعد أشهر من التجارب الاشتراكية والشوعية. ولكن التجربة تواصلت وامتدت لأسباب مختلفة حتى عام 1989، عندما تهاوى الاتحاد السوفييتي والمعسكر الاشتراكي... وانتهت التجربة!

و كنموذج اخر يستشهد بالتجربة السودانية ويقول :

واختطف قادة انقلاب يونيو 1989 مصير الحركة الإسلامية في السودان، معلنين "ثورة الإنقاذ الوطني". ويقول أحد الإسلاميين عنها إنها كانت ناجحة بكل المعايير، "سواء في أدائها العسكري الذي تجنب إراقة الدماء، أو مناوراتها الأمنية التي موهت بها على هويتها، أو التفافها السياسي الذي جعل ألد أعدائها أول المعترفين بها" (الحركة الإسلامية في السودان، محمد الشنقيطي، لندن، 2002، ص 393)·

ولكن الثورة - الإنقلاب، كغيرها ،  ضاعت في التفاصيل، فما أسهل التلاعب والتمويه في الشعارات الكبرى وما أصعب ذلك في التفاصيل!

يقول ناقد لمشروع دستور السودان الإسلامي لعام 1998 ما يلي :

"لقد جاءت معظم مواد مشروع الدستور مشحونة بالكلمات والمصطلحات والعبارات ذات المدلول الإسلامي في محاولة للتمويه ولشحذ عواطف المسلمين لتأييد المشروع، بينما يعكس واقع الأمر خلو المشروع من أي مضامين إسلامية حقيقية وفقاً للمعايير التي تحددها أدلة الأحكام أو السياسة الشرعية. وفي الجانب الآخر، فهناك إشارة لبعض حقوق المواطنة وحقوق الإنسان التي تتقاطع مع مبادئ إسلامية كلية بصورة واضحة... ولذا فقد جاء الدستور وكأنه يعني كل شيء بينما لا يعني شيئاً في نهاية الأمر" (مشروع الدستور السوداني، البشرى عبدالحميد، 1999، ص 64).

ولقد عايش أغلبنا في مختلف الدول العربية والإسلامية تلك المعارك والمناورات التي صدرت عن جماعات الإسلام السياسي حول وجوب نص الدستور على الإسلام مصدراً وحيداً أو المصدر الرئيس للتشريع. بينما ينص دستور 1998 الإسلامي في السودان على ما يلي : "الشريعة الإسلامية وإجماع الأمة استفتاءً ودستوراً وعرفاً هي مصادر التشريع، ولا يجوز التشريع تجاوزاً لتلك الأصول، ولكن يُهتدى برأي الأمة العام وباجتهاد علمائها ومفكريها ثم بقرار ولاة أمرها".

نحن في كل التيارات التي نتحمس لها نقع ضحايا سهلة للسذاجة السياسية والتسطيح الفكري والتعجل والمثالية العقائدية، والتوهم بأن جمال الشعارات وروعة المبادئ تخلق الواقع والمستقبل السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

فما نعتبره فكراً وطنياً أو مواقف وطنية لا يمكن في اعتقادنا أن يضر بالوطن في الواقع، وقد دفعنا ثمناً باهظاً لهذه النظرة المثالية في القضية الفلسطينية وفي علاقاتنا مع العالم الخارجي وبخاصة أوروبا وأميركا.

ومن يتمسح بمسوح الدين ويجلجل بالشعارات والمظاهر الإسلامية ، لا نرى ارتباطاته بالمصالح الدنيوية والحزبية، ولا نفكر بما سيحدث للحريات والاقتصاد والثقافة والتعليم وحقوق المرأة وغير ذلك في ظل نظامه المرتجل، الباحث في أعماق القرون الخوالي عن حلول لمشاكل المستقبل.

ومن يدعو إلى الديمقراطية والليبرالية والاقتصاد الحر، لا يرى كيف أن الديمقراطية نفسها قد تقع ضحية للحزبية والقبلية والطائفية والشللية وكل الأمراض. وقد تقع السلطة أو بعضها، بيد نخب فاسدة جشعة تتلاعب بمصير الناس وتنهب مقدرات الأمة... في ظل أجمل الشعارات وأشدها بريقاً.

ونحن نرى مثلاً في أرقى الدول الديمقراطية وأعرقها وأكبرها، نماذج صارخة أحياناً من الفساد السياسي والتلاعب الاقتصادي واللامساواة الاجتماعية.

فما العمل إذن؟ وإلى أين نولي وجوهنا؟ وكيف ننقذ مجتمعاتنا؟

أعتقد جازماً أن ذلك ممكن فقط من خلال الديمقراطية والتعددية وحرية الاقتصاد.

وهنا كما بينا، احتمالات للانحراف والفساد، كما في الحلول الأخرى، ولكن الفرصة أكبر وأقوى لكشف الانحراف.

غير أن ما يجعل النظام ينجح ليس مجرد قوة المبادئ وجمال الشعارات، بل حيوية المجتمع ودقة المراقبة واحترام القوانين وإخلاص النخب وارتفاع إنتاجية الموظف والعامل وحداثة نظم التعليم... إلخ ·

المجتمع الحديث بحاجة ماسة إلى من يتابع فيه التطورات والتفاصيل، المجتمع الناجح المتقدم، الذي نعجب به ونحلم، ليس للأسف مصنعاً أو محطة أو آلة كبرى نشغلها بأزرار الوطنية والدين والديمقراطية، وإن كنا بحاجة لهذه الثلاث كلها، بل هو مجموعة آلات وتروس ورغبات ومصالح واتفاقات واختلافات، تدور في اتجاهات مختلفة، لأهداف متعددة.. علينا متابعة عملها يومياً.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب نصا ودون تعليق كما في المصدر.

المصدر: مقتطفات من :الإتحاد الإماراتية-21-5-2006