دور روسيا الإقليمي يصطدم بالهيمنة الأميركية

 

هوارد لافرانتشي

 

ينتهج البيت الأبيض في الآونة الأخيرة سياسة صارمة تجاه روسيا بسبب ما تراه واشنطن من نكوص موسكو عن الديمقراطية وميلها المتزايد نحو استخدام سياستها النفطية لإعادة بسط سيطرتها على المنطقة. ومن المتوقع أن ينقل الرئيس بوش هذا الموقف الصارم إلى نظيره الروسي فلاديمير بوتين خلال الزيارة التي سيقوم بها إلى روسيا في الصيف المقبل، وذلك بالرغم من الانعكاسات السلبية المحتملة على الجهود الأميركية لحشد المنتظم الدولي وتعبئته ضد التطلعات النووية الإيرانية. ويمكن فهم الضغوط الأميركية الجديدة على روسيا في ظل سعي هذه الأخيرة، التي تنامت قوتها مؤخراً، إلى إحداث توازن بين أهداف متعددة. فهي من جهة مصممة على إرساء الاستقرار والنظام داخلياً، ومن جهة أخرى تتطلع إلى استعادة دور طلائعي في منطقة آسيا الوسطى. والأهم من ذلك أنها تريد تأمين مكانة مرموقة لنفسها ضمن نادي القوى العالمية. ويمثل التطلع الروسي إلى المكانة العالمية حسب المحللين ورقة مهمة تسعى إدارة بوش إلى اللعب بها وتوظيفها لصالحها. غير أن المشكلة بالنسبة لواشنطن تكمن في أن قوة روسيا الاقتصادية وثقتها بنفسها تجعلانها أقل تأثراً بالضغوط الخارجية مما كانت عليه قبل سنوات قليلة. وفي هذا السياق يقول "أندرو كوتشينز"، الخبير في العلاقات الأميركية الروسية بمعهد "كارنيجي إنداومنت" للسلام العالمي في واشنطن: "لاشك أن تحسين صورتها وضمان مكانة عالمية لائقة تمثل أموراً أساسية بالنسبة لروسيا، إلا أن تلك الأمور كانت أكثر أهمية لروسيا عندما كانت ضعيفة مما هي عليه اليوم، وهو ما يقلل من فعالية الضغوط الأميركية". ويتزامن هذا التركيز الأميركي على روسيا، الذي أثارته تقييمات المؤسسات الأميركية للسياسة الروسية، مع استعداد الرئيس بوش لزيارة موسكو للمشاركة في قمة مجموعة الثماني التي تستضيفها روسيا لأول مرة في شهر يوليو المقبل. وبالرغم من أن الملامح الأولى لسياسة الرئيس بوش تجاه روسيا رُسمت منذ 2001 عندما أدلى بوش بتعليقه الشهير مشيراً فيه إلى أنه أعجب بما رآه في بوتين، يبدو أن الإدارة الأميركية أعادت النظر مرة ثانية في سياساتها تجاه موسكو.

وقد عكس النظرة الناقدة للإدارة الأميركية الخطاب الذي ألقاه نائب الرئيس ديك تشيني الأسبوع الماضي في ليتوانيا وأعلن فيه أنه على روسيا الاختيار بين "العودة إلى الإصلاحات الديمقراطية" وبالتالي "التمتع باحترام أكبر من قبل دول العالم"، أو "الإمعان في فرض مزيد من القيود على حقوق الشعب الروسي". وتشيني الذي تعمَّد توضيح موقف الإدارة الأميركية خلال مؤتمر عقد حول الديمقراطية استضافته إحدى الدول التي كانت تدور في فلك الاتحاد السوفييتي السابق وفي حضور العديد من قادة الدول المجاورة لروسيا، أضاف أيضاً أن روسيا تستخدم مقدراتها الهائلة من الطاقة "كأداة لاستفزاز وابتزاز جيرانها". وبينما تعرضت كلمات "تشيني" للانتقاد في بعض الأوساط التي رأت أنها قد تؤدي إلى استعداء روسيا في وقت تروج فيه الإدارة الأميركية للجهود الدبلوماسية، رحب آخرون بصراحة ديك تشيني في تعبيره عن المخاوف الأميركية. وفي هذا الصدد قال مارك برزيزنسكي، مدير مجلس الأمن القومي للشؤون الروسية في إدارة الرئيس كلينتون "إنني أنظر إلى تصريحات تشيني على أنها لهجة جديدة في التعامل مع مسكو، لكنني لا أعتقد أنها تندرج في إطار محاولة لعزل روسيا".

من جهتها عبرت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس التي تلقت تكوينها الأكاديمي حول الاتحاد السوفييتي السابق، عن شكوكها إزاء الوجهة التي تسلكها روسيا حالياً. ولم يقتصر الاستياء على وزيرة الخارجية بل امتد إلى بعض نشطاء حقوق الإنسان، وإلى بعض قادة الحزب "الجمهوري" مثل السيناتور "جون ماكين"، من أريزونا، الذي ذهب إلى حد دعوة الرئيس بوش إلى مقاطعة قمة يوليو قصد بعث رسالة قوية إلى الكريملن. ورغم تأكيد بوش على حضوره القمة، فإن المسؤولين الأميركيين يجرون اتصالات حثيثة مع نظرائهم الروس لتحديد الخطوات التي على روسيا أن تقوم بها، لاسيما في مجال الحقوق السياسية. وإذا كان بعض الخبراء يرون أن توق روسيا للاضطلاع بدورها كقوة عالمية سيجعلها أكثر تقبلاً للضغوط الأميركية، يرى البعض الآخر عكس ذلك تماماً، خصوصاً في ظل وصول سعر برميل النفط إلى 70 دولاراً ما يجعل موسكو أكثر قدرة على إحداث التوازن بين تعزيز صورتها العالمية وبين إعادة ترسيخ نفوذها وقوتها المحليتين.

لذا ففي الوقت الذي يعتقد فيه برزيزنسكي أن "حساسية الكريملن تجاه نظرة العالم إلى الدور الروسي يمكن أن تشكل ورقة ضغط لتحقيق بعض التقدم في مجالات الديمقراطية وحقوق الإنسان، فضلاً عن الطاقة وإيران وعلاقة روسيا بجيرانها"، يشير كوتشينز، الذي أدار مركز كارنيجي في موسكو قبل أن يرجع إلى واشنطن، إلى انزعاج المسؤولين الأميركيين إزاء السرعة التي تمكنت بها روسيا من استعادة عافيتها الاقتصادية مدعومة بارتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعي، مؤكداً أن أميركا "كانت أمامها فرصة ممارسة الضغوط على روسيا أواخر التسعينيات، لكنه لم يعد بوسعنا القيام بذلك اليوم". كما يحذر بعض الخبراء في الشأن الروسي مثل "نيكولاس كفوزديف" من أن تؤدي تصريحات تشيني المناوئة لروسيا إلى نتائج عكسية تزيد من تصلب موسكو في موقفها وابتعادها عن الإصلاحات السياسية المرجوة. وحسب الخبير "كفوزديف" فإن روسيا تنظر بعين الاستياء إلى استحواذ الملف الإيراني على أجندة قمة مجموعة الثماني التي كانت تريد موسكو أن تتطرق إلى الأمن الطاقي. ويضيف "كفوزديف" أن الملف النووي الإيراني هو من القضايا التي تحصر روسيا في مكان ضيق بين "ضمان مقعد على طاولة القوى العالمية"، وبين موصلة تطلعاتها الإقليمية.

محرر الشؤون الخارجية بصحيفة "كريستيان ساينس مونيتور"

و كل ذلك بحسب راي  هوارد لافرانتشي  في المصدر المذكور .

المصدر :  الاتحاد - ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور" – 11-5-2006