الصــراحــة حلوة :

                                         رسائل متناقضة من طهران الى واشنطن

 

علاء فيصل

 

قبل أقل من أسبوعين وفي مؤتمره الصحفي قال الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد انه ليس هناك بحاجة إلى الدخول في حوار مع الولايات المتحدة . وذلك بعد أن وافقت إيران في وقت سابق على إجراء الحوار بـترخيص من المرشد الأعلى في إيران.

بالأمس يبدوا ان الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد نقض تصريحه كي يفجر مفاجئة لم تفاجئ البعض بإرساله لرسالة إلى الرئيس الأمريكي جورج بوش وذلك في خطوة  فريدة لأن ذلك يمثل  أول إتصال رسمي ومعلن بين البلدين منذ عام 1979.

وحسب المتحدث باسم الخارجية الإيرانية فالرسالة تتركز على قضايا هامة من أهمها الملف النووي الإيراني وسبل الخروج من الأزمة الحالية.

يرى الكثير من المراقبين أن هذه الرسالة تمثل تحولاً كبيراً في الدبلوماسية الإيرانية و في إتجاه التعامل مع الواقع الدولي الموجود والولايات المتحدة.

في حين يرى أخرون أن الرسالة تاتي في سياق الإشارات الخاطئة التي ترسلها إيران إلى المجتع الدولي عامة والولايات المتحدة خاصة والتي يعتبر البعض الهدف منها التأثير على تماسك التحالف الدولي المناهض لحصول إيران على الأسلحة النووية وهذا ما أكدته وزيرة الخارجية الأميركية كوندليزا رايس وأكده المسؤول عن الملف الأمن القومي الأميركي جون نيجروبونتي.

و في مجال إستعراض الاراء هناك اراء تعتبر أن هذه الرسائل المتناقضة هي نتيجة تعارض مراكز القرار الموازية في إيران و لا سيما الخلاف الناشب أخيراً بين تيار المحافظين في إيران.

لكن هناك في إيران منْ يعتبر أن هذه هي فرصة إيران الذهبية لتسوية  خلافاتها الأساسية مع الغرب والولايات المتحدة خصوصا لضمان عدم زعزعة النظام القائم و ذلك عبر المساومة على الملف النووي والدور الإقليمي ويستدلون لذلك بمؤشرات منها:

1- في الأشهر الثلاث الأخيرة وإبان أزمة رئاسة الوزراء العراقية تمكنت إيران من إعاقة دفع ملفها النووي إلى مجلس الأمن و يبدوا أنها كانت تراهن على حصول تسوية لأزمتها النووية عن طريق ورقة العراق لكن و بعد ان تم حسم قضية رئاسة الوزراء في العراق جاء الرئيس الإيراني لكي يقول أن ليس هناك حاجة لمثل هذا الحوار و ما يدعم ذلك  ان إيران حين وافقت على الحوار لدعم الأمن والإستقرار في العراق أكدت ان الحوار يجب ان يتطرق إلى الموضوع النووي أيضاً و بعدما إكتشفت ان حوارها و بعد حسم قضية حسم رئاسة الوزراء سوف لا يكون من موقع قوة تراجعت عنه .

2- إن إيران ولأسباب داخلية وجدت نفسها محرجة شعبيا عندما وافقت على الحوار مع الولايات المتحدة على أساس الملف العراقي فقط لإن الشعب لم يؤيد التدخل في شؤون العراق او غيره وحماسه متمحور حول الملف النووي.

لكن يبدوا أن الولايات المتحدة أجابت على رسالة أحمدي نجاد وربما قبل إستلامها ايضا طريق تقليلها من اهمية الرسالة كما صرحت الوزيرة رايس و عدم الإكثراث هذا ربما يعود الى أن واشنطن قد حسمت أمرها وأنها تعلم مدى المبالغة الإيرانية وغير الإيرانية لقدرات إيران النووية . هذه المبالغة المتواصلة المتصاعدة دعمت ضرورة المتمسكين بمواجهة ايران وزادات تماسك التحالف الدولي ضدها وأدت الى مزيد من المتصلبين والمواقف المتصلبة كموقف المتشارة الألمانية أنجيلا ميركل خلال زيارتها واشنطن الأسبوع الماضي.هذا وإن المبالغة تلك الى جانب ما يقال عن نجاح أيران في إخفاء نشاطاتها النووية لأكثر من عقد مع التصريحات والرسائل المتناقضة التي تعكس عدم الحكمة والعقلانية من جهة وتعكس الرغبة في دور إقليمي كبير من جهة أخرى و.... كل ذلك مهد وساعد ومنح الذريعة الكافية للمتحمسين بمواجهة إيران للدفع بها الى مجلس الأمن تمهيدا لجولات اكثر صعوبة وتعقيدا وحتى المواجهة الحاسمة غير القريبة وربما غير العسكرية .

من هنا يبدو ان الرسالة الأخيرة للرئيس الإيراني لن تحمل أي جديد بالنسبة للأميركيين وغاية ما في الأمر أنها محاولة متأخرة متواضعة لسحب الذرائع التي منحتها وبسخاء للتصعيد وأنها لن تفلح في شيء سوى بعض التأجيل إنتظارا لمفاجئة جذرية مدروسة متكاملة أخرى تصب في صالح إيران والمنطقة والأمن والإستقراروالسلام في العالم ... مفاجئة تنطلق من حقيقة أن أمن العراق وقوته وإستقلاله وسيادته وديمقراطيته ووحدته هو المفتاح لأمن إيران وإستقلالها وسيادتها ووحدتها ، ولا مفر من ضرورات ومقتضيات الإصلاح ونقد الذات لأن عصراللجوء الى التمدد خارج الحدود للتهرب من تحديات ومتطلبات داخل الحدود قد أوشك على الإنتهاء تماما وإمتلاك التكنولوجيا النووية او الأسلحة النووية لن يغير كثيرا في الحاجة الى الإصلاح واشلاء دولة الإتحاد السوفياتي المرحومة الممزقة المقطعة الغارقة في بحور الأزمات عبرة لمنْ يبحث عن الإعتبار بالعبر .