الانتخابات البحرينية والملفات المفتوحة

 

عبدالرحمن محمد النعيمي

 

اتخذت شورى جمعية الوفاق الوطني الإسلامية في البحرين قراراً بالمشاركة في الانتخابات النيابية، وبذلك حسمت الجدل الدائر حول مواقف هذه الجمعية السياسية الكبيرة من المؤسسة التي دار الكثير من الجدل حولها في السنوات الأربع الماضية، في الوقت الذي اتخذت جمعية العمل الوطني الديمقراطي في مؤتمرها الاستثنائي الذي عقد في السادس والعشرين من ابريل/نيسان قراراً أولياً بأغلبية 58% من اعضاء المؤتمر بالمشاركة ايضاً على ان يتم حسم الموقف نهائياً في المؤتمر العام الذي ستعقده الجمعية في التاسع من يونيو/حزيران المقبل، وتشير اجتماعات اللجنة المركزية ومجلس الشورى في كل من التجمع القومي والعمل الإسلامي إلى توجه مشابه، ما يعني ان التحالف الرباعي يسير باتجاه المشاركة في الانتخابات النيابية، وان العديد من الرموز التي تقف ضد المشاركة في جمعية الوفاق الوطني قد حسمت أمرها بالالتحاق بحركة “حق” التي أعلنت بوضوح أنها ضد المشاركة وانها ترى أهمية بالغة في مقاطعة البرلمان، انطلاقاً من رفضها للدستور الجديد الذي اصدره الملك من جانب واحد في الذكرى الاولى للتصويت على ميثاق العمل الوطني في 14 فبراير/ شباط 2002.

وبرز سؤال كبير في الساحة البحرينية حول موقف الحكم من مشاركة كافة الجمعيات السياسية وخاصة التحالف الرباعي، وهل هو سعيد بهذه المشاركة أم أنه يفضل ابتعاد المعارضة عن البرلمان، لتستمر العلاقة الودية بينه وبين هذه المؤسسة بأغلبيتها الموالية، وهل ستقوم السلطة بعمليات ضغط لتحكم الحصار على قوى المعارضة بحيث تخرج برلماناً مدروساً يلبي رغبات وتوجهات السلطة الحاكمة في المرحلة المقبلة، وتمنعها من الحصول على أغلبية أعضاء المجلس المنتخب؟

البعض يرى أن الحكم قد حصن نفسه، من خلال إيجاد ما يشبه حكومتين في البلاد، إحداهما برئاسة رئيس الوزراء الحالي، والثانية برئاسة ولي العهد عبر مجلس التنمية الاقتصادي، الذي تحال اليه الكثير من الملفات الاقتصادية والتعليمية والإعلامية وسواها من ملفات أساسية، وحيث إن الدستور يعطي الحق للبرلمان بمساءلة الحكومة عبر وزرائها، ويمكن للمجلس أن يعبر عن عدم استعداده للتعاون مع رئيس الحكومة، فإن البرلمان لا يحق له من قريب أو بعيد مساءلة الحكومة الثانية، حيث لا يوجد نص دستور حولها، بالاضافة إلى انها مرتبطة مع القصر، وبالتالي لا يعرف النواب ميزانية هذه المؤسسة التي يراد لها ان تعيد هيكلة الوضع الاقتصادي والتعليمي وسوق العمل ضمن التوجهات الأمريكية الجديدة، المعتمدة على الخصخصة بالدرجة الاساسية، اضافة إلى التوجهات المثيرة للجدل حول العلاقات مع الكيان الصهيوني والتي تبرز بين الفترة والأخرى من قبل هذا السفير أو ذاك المسؤول في زيارتهم للبيت الابيض أو المنتديات الدولية.

أما الإشكالية الأخرى أو التحصينات الأخرى التي اعتمدت عليها السلطة في الفترة السابقة، والتي يتوقع أن تضاعف منها في الفترة المقبلة، فتتعلق بالدوائر الانتخابية التي باتت من صلاحيات الملك بعد أن كانت من صلاحيات المجلس الوطني، كما أن مسألة التجنيس السياسي للإخوة العرب بالدرجة الأساسية من سوريا والأردن واليمن تشكل هاجساً كبيراً للمواطنين المشبعين بالروح القومية والارتباط بالقضايا القومية المصيرية، حيث يشكل هؤلاء المجنسون القوة الأساسية في الأجهزة العسكرية والأمنية، والتي يحق لها المشاركة في العملية الانتخابية من اللحظة الاولى لحصولهم على الجنسية، بينما تريد السلطة من خلال التعديلات المطروحة على قانون ممارسة الحقوق السياسية حرمان كل مواطن صدر بحقه حكم بالسجن لمدة ستة اشهر من ممارسة حقوقه في الترشيح والانتخاب لمدة عشر سنوات. وهو قانون لا يمكن الا أن يوصف بالقراقوشية والتعسف الشديد والبعد كل البعد عن الروح الديمقراطية وحقوق المواطنين.

وتبقى ورقة أساسية أخرى بيد السلطة، وهي ورقة ازدواجية الجنسية لدى عدد كبير من الاخوة السعوديين الذين زج بهم في الانتخابات السابقة بحجة انهم كانوا من سكان البحرين في الفترة السابقة، بينما تمنع الاتفاقيات بين دول مجلس التعاون اية ازدواجية في الجنسية، وتتمنى المعارضة في البحرين ان يكون للمملكة العربية السعودية في العهد الجديد موقف من هذا التلاعب الذي يؤجج التوتر بين الاشقاء في البلدين ولا يخدم مصالح العملية السياسية الجارية في المملكة الشقيقة التي ينظر اليها الجميع بتقدير عال في ظل الملك عبدالله.

وحيث برزت في الفترة الأخيرة سلسلة من أعمال العنف غير المبررة، من قبيل حرق سيارات للشرطة أو المستخدمة من قبل العمالة الاجنبية، فإن السلطة قد تستخدمها ذريعة لتشديد الخناق على الحركة السياسية، مستفيدة من الدعم الذي يقدمه الإسلام السياسي السني الوثيق العلاقة بالحكم، والذي ينظر بقلق إلى مستقبله في الانتخابات النيابية المقبلة في ضوء مشاركة المقاطعين من جهة، وفي ضوء تدهور سمعته وسط قطاعات شعبية كبيرة جراء أدائه البرلماني السيئ الذي كان أبرزه موقفه من قانون الصحافة حيث كان من أكثر المتحمسين لتشديد العقوبات على الصحافيين، بما في ذلك إقامة دعوى على صحيفة يومية بحجة أنها تروج لأفكار مضادة لهم، والمطالبة بأن يتضمن القانون عقوبة السجن للصحافيين، وهي المادة التي أثارت الكثير من الانتقادات ضدها.

ولدى السلطة ترسانة كبيرة من القوانين التي صدرت في مرحلة أمن الدولة السيئ الصيت، والتي تبرزها بين الفترة والأخرى، كقانون العقوبات والتجمعات والمسيرات، وتتراجع عن هامش الحريات كلما وجدت ان الاصوات المناوئة لها في تزايد، ولا يستبعد البعض ان تستثمر أعمال العنف لحشد المزيد من الأصوات إلى جانبها مطالبة بالضرب بيد من حديد، أو التلويح بالقدرة الأمنية والعسكرية لدى السلطة والتي ستزجها لإيقاف حركة الاحتجاجات المتزايدة من قبل العاطلين أو ضحايا التعذيب السابق أو الحانقين على تجاهل السلطة لمطالبة المعارضة بالحوار حول المسألة الدستورية.

وحيث تدرك القوى السياسية المخاطر المقبلة، بما في ذلك مخاطر تدهور الوضع الإقليمي، فإنها تشدد في الوقت الحاضر على ضرورة خلق اصطفاف وطني واسع للدفاع عن الحريات العامة ورفض التراجعات التي تقوم بها السلطة، من دون تجاهل الاوضاع الصعبة التي تعيشها قطاعات شعبية واسعة، وما يمكن ان تفرزه من توترات في بعض المناطق.

و كل ذلك بحسب راي عبدالرحمن محمد النعيمي في المصدر المذكور .

المصدر : صحيفة "الخليج" الاماراتية – 6-5-2006