مقالات و محاضرات

 

 

السير في الطريق الصحيح موازنة التنمية مع الديمقراطية

 

د. هادي حسن عليوي

 

(انني افضل البطء في التنمية مع الديمقراطية على النمو مع الدكتاتورية). ( جواهر لال نهرو )

لعل اصعب ما تواجهه القيادات، في بلدان العالم الثالث، هي الموازنة بين تحقيق خطوات نحو اقامة الديمقراطية وتنفيذ برامج التنمية، خلال مراحل التحول الديمقراطي، او في المراحل الاولى للاصلاح السياسي في هذه البلدان.

ويواجه العراق، اليوم، ازمة التحول الى الديمقراطية من جهة وازمة تفعيل برامج التنمية، في جميع جوانبها، من جهة ثانية، مما يتطلب موازنة علمية وعملية، وادارة تأخذ بالحسبان، واقع العراق وظروفه، من اجل السير بخطى متوازية لتحقيق الديمقراطية جنب السير بخطوات عملية في التنمية، مستفيدين، ايضاً، من التجارب العالمية بهذا الشأن.

ويؤكد بعض الباحثين الاقتصاديين والاجتماعيين ان التنمية الاقتصادية تجعل الديمقراطية ممكنة، في اشارة الى برهان مؤثر في انه يجب على الدول النامية والفقيرة ان تنمو اقتصادياً قبل ان تتمكن من تعميم الديمقراطية.

ويبدو ان الاوضاع الاقتصادية عززت مثل هذه الآراء باعتبار ان تنمية الوطن وقدراته المختلفة ذات الطبيعة الستراتيجية والمجتمعية، التي لا يستطيع القطاع الخاص في البلدان النامية القيام بها، فتكون من اختصاص الدولة، واخذ هؤلاء، الذين يعتقدون ان تحقيق الديمقراطية مرهون بتحقيق النمو الاقتصادي، واستغل الحكام السياسيون والجنرالات المسيطرون على دفة الحكم في غالبية بلدان العالم الثالث هذه المقولة لطرح مقولات التنمية اولاً، متمسكين برأي عالم الاجتماع السياسي (سيمور مارتن) وآخرين، قبل نحو خمسة واربعين عاماً مفاده ان النمو الاقتصادي يضع البنى التحتية الضرورية لخلق الديمقراطية بزيادة نسبة المتعلمين واقامة طبقة متوسطة آمنة وتغذية الآراء عالمية النزعة، اما السبب الثاني فانها تلبي احتياجات العصر الذي ولدت فيه، اي عصر الحرب الباردة، عندما صنف ما يقارب من ثلث دول العالم على انها ديمقراطيات، وكانت القلة القليلة منها دولاً فقيرة.

لقد تأصلت نظرية التنمية اولاً، التي تؤسس لمفهوم الميزة الاستبدادية في عالم ما بعد الحرب الباردة بالرغم من السجلات الاقتصادية السحيقة للحكومات العسكرية في اميركا اللاتينية، والحكام الذين يتبعون سياسة (الرجل القوي) في افريقيا والدول الشيوعية ومعظم بلدان الشرق الاوسط.

ويبدو ان الدراسة العلمية تثبت بالبرهان العملي تفوق الديمقراطيات على الانظمة الشمولية في العالم النامي تفوقاً كبيراً، ويمسي التفوق الذي احرزته الديمقراطيات على الانظمة الشمولية اكثر وضوحاً عندما يتحول النقاش من نسب النمو ليتناول مقاييس واسعة في الرفاهية، وتعد المؤشرات الاجتماعية مقياساً جيداً للتنمية، اذ يشمل احصائيات متوسط عمر الفرد، والمياه الصالحة للشرب، ونسب المتعلمين والغلات الزراعية، ونوعية الخدمات الصحية العامة، وحسب جميع مؤشرات نمط الحياة تلك، على وجه التقريب يتضح التفوق الكبير الذي تحققه الديمقراطيات واطئة الدخل بالمقارنة مع نظيراتها في الانظمة الشمولية.

كما تبلي الديمقراطيات بلاءً حسناً في التصرف حيال ازمات الطوارئ الانسانية، فعلى سبيل المثال حدثت سبع وثمانون ازمة لاجئين كبرى خلال العقدين المنصرمين داخل نظام الانظمة الاستبدادية، وان 80% خلال عام 2003، وكل البيانات تشير الى ان الديمقراطيات الفقيرة كانت افضل من الدول الاستبدادية في مسيرتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وان شعوب النظم الشمولية تنشط بقوة للتخلص من انظمتها تلك، في حين يتعزز الاستقرار والحوار والتقدم والرقي في الانظمة الديمقراطية الفقيرة.

ان عراق اليوم يتطلب منه السير بشكل متوازن بتحقيق الديمقراطية السياسية والديمقراطية الاقتصادية والاجتماعية، وبالتالي ستراتيجية لتحقيق مستلزمات الامن الداخلي والخارجي والاستقرار للوطن والمواطن بشكل سريع يؤمن حقوقه وحريته وتنقله بأمان، وحماية الوطن من كل اشكال الخرق والعدوان والجريمة بكل اشكالها، وتوفير الخدمات العامة وحماية الثروة الوطنية، واستكمال متطلبات ملفات حقوق الملكية للمتضررين والمهجرين، والعمل على حل مخلفات النظام السابق واشكالية الجيش العراقي السابق، والاجهزة الامنية الاخرى، ومشكلة البطالة ومؤسسات التصنيع العسكري، ومنشآت الدولة المخربة والمنهوبة.

والمسألة الاخرى، هي التنمية البشرية، التي تتواءم معها التنمية بشكل عام، وهي المسألة الاكثر تعقيداً في بلد انتقل بشكل مفاجئ من نظام شمولي يسيطر بشكل شبه تام على اقتصاد البلد، ويدير بقبضة حديدية عملية التنمية، وفي يده كل الثروات الوطنية وادارتها وتقديم كل الخدمات الاساسية للبلد، ويقبض بقوة على قوت الشعب وتوفيره وتوزيعه.

اضافة الى ما اصاب البلد، بعد سقوط النظام، من تخريب وتدمير جراء الحرب واعمال السلب والنهب والتخريب، وتوقف تام للتنمية البشرية والاقتصادية، وتباطؤ كبير في عملية اعادة اعمار البلد، وتضخم كبير في البطالة والجريمة.

ويبدو ان هناك حائلاً جديداً يقف بوجه اية حكومة لتحقيق هذه المهمة الكبرى، الا وهي الخصخصة لمؤسسات الدولة (القطاع العام)، ورفع الدعم الحكومي عن السلع والخدمات الاساسية.

ان طبيعة النظام الديمقراطي مع اتجاه الخصخصة والحرية الاقتصادية، وبالرغم من ايجابيات الخصخصة في المستقبل، فان سلبياتها كبيرة ومؤذية لاقتصاد البلد في المرحلة الراهنة، خاصة ما تفرزه عملية الخصخصة من بطالة وارتفاع هائل في الاسعار، والغاء مسألة المنفعة على حساب جني الربح الخاص، فمسألة الملكية العامة والملكية الخاصة تعد اساساً لكل نظام سياسي، وما هو معروف ان الملكية الخاصة تعني تلك التي تخضع لقواعد ولوائح السوق.

اما الملكية العامة فهي التي تخصص لمنفعة المجتمع او لخدمة عامة، ومن ثم لا تصلح لها قواعد السوق والاساليب التجارية، وفي الوقت الذي يكون العائد او الربح معياراً للاولى لا يكون للثانية، بل ان المعيار الرئيسي لها هو مقدار المنفعة التي يجنيها المجتمع من تلك الملكية (د. حازم الببلاوي، دور الدولة في الاقتصاد، القاهرة، 1998 ص47 - 50)، حتى المشاريع الاقتصادية، التي تعود للملكية العامة، والمختصة لانتاج السلع يكون الاساس في انتاجها سلعاً متينة الصنع، وبربح قليل جداً، وبالتالي فالملكية العامة تمثل حاجة لتطور المجتمع النامي (اقتصادياً واجتماعياً)، بينما الملكية الخاصة ضرورة لاستثماره واستقراره (ينظر: فريدمان ملتون، الرأسمالية والحرية، ترجمة يوسف عليان، عمان 1987، ص30).

وكما اوضحنا استغلت الانظمة الشمولية اوضاع البلدان النامية الاقتصادية للسيطرة على هذه البلدان (سياسياً واقتصادياً)، وتعزف عن تطبيق الديمقراطية تحت ذريعة التنمية الاقتصادية والبشرية اولاً.

المعالجات

ان الاوضاع المتردية في البلدان النامية لا يعفي حكوماتها من القيام بالموازنة بين تحقيق الديمقراطية والتنمية في آن واحد، وافضل مثال على ذلك النموذج الهندي، فقد اسهمت عدة عوامل في اقامة وترسيخ الديمقراطية، كان ابرزها التزام القيادة الهندية والقوى السياسية في البلاد بالنموذج الديمقراطي، باعتباره الاطار الوحيد القادر على الحفاظ على تماسك ووحدة الدولة الهندية، مع تبني النظام الفيدرالي، الذي يراعي التنوع الاجتماعي، ويتيح اكبر قدر ممكن من المشاركة، الامر الذي اوجد مناخاً ملائماً للتعددية، التي كفل الدستور حرية تكوينها ونشاطها.

وتجربة الهند، من جانب اخر، تفردت عن تجارب الدول النامية في التركيز على التنمية، وعدم التراجع عن الديمقراطية او تغييبها تحت ذريعة الاصلاح الاقتصادي، لابد ان يسبق التطور السياسي، بل حرص الهنود على مواءمة النموذج التنموي مع الطرح الديمقراطي، وبهذا الصدد قال جواهر لال نهرو - رئيس الوزراء الهندي الاسبق: (انني افضل البطء في التنمية مع الديمقراطية على النمو مع الدكتاتورية)... وحالة الهند تنطبق على حالة العراق، اضافة الى ما يمكن ان يفعله السوق، او ما لا يستطيع فعله يختلف جذرياً وتاريخياً في الدول الغنية المتقدمة عن الدول الفقيرة والمتخلفة، وهو ما ينطبق على العراق، البلد متخلف واقتصاده مدمر ومدين بـ (127) مليار دولار، ويتطلب منه اعادة اعمار شاملة للبلاد، وسبق ان جرب في الثمانينيات من القرن العشرين ان قام بخصخصة للعديد من مشاريع ومصانع القطاع العام، فكانت الخسارة كبيرة، سواء بمردودات المنفعة العامة ام بالمردودات الاقتصادية.

كما ان دول المعسكر الاشتراكي ودول الاتحاد السوفيتي السابق خصخصت الغالبية العظمى من مصانعها ومؤسسات الدولة فيها بشكل سريع دون المرور بمرحلة انتقالية بين ملكية الدولة والخصخصة، فكان ان انهار اقتصاد غالبية تلك الدول، وفقد المواطن العديد من الخدمات الاساسية والسلع الضرورية التي كانت تقدمها له الدولة باسعار مخفضة تتلاءم مع دخله، واذا به بعد الخصخصة الفجائية يعجز من توفير الحد الادنى من مستلزماته وحاجاته الضرورية، ما انعكس بالتالي على الديمقراطية واقتصاد البلد.

من جانب اخر ان تجربة الدول الاوروبية والولايات المتحدة الاميركية في اقامة انظمتها الديمقراطية وتطورها الاقتصادي، هي مسألة تطورية لمجتمعات تلك الدول، وحتى بعض دول آسيا المتقدمة، لكن عملية الخصخصة في الدول الوطنية الناشئة يعني تدميراً للتطور المجتمعي، وعرقلة جدية لتقدمه اذا جرت العملية بطريقة الصدمة، لذا لابد من احتفاظ الدولة بالمشاريع الستراتيجية لضمان سيطرتها على الثروات الكبرى للبلد والعمل على تنميتها وابقاء الدولة مسؤولة مسؤولية مباشرة عن الخدمات العامة للمجتمع، خاصة التعليم والصحة ومشاريع الخدمات الاساسية الاخرى، وبعكس ذلك يعني استمرار الفوضى والتخلف وظهور جيوش جديدة من البطالة، وبالتالي توسعا في التضخم وازديادا كبيرا في الفقر، كل ذلك يشكل اتجاهات لاعدام الديمقراطية، واعادة النظام الشمولي، واذا كانت العولمة، بشكل خاص، الاقتصادية واحدة من اهم التحديات، التي واجهت وتواجه الدولة الديمقراطية الناشئة، فان دراسة الواقع والعمل على تحقيق متطلباته بشكل موضوعي هو القادر على وضع اللمسات الاستشرافية لمستقبل العراق الديمقراطي الجديد، دون الوقوع في مطبات او هزات عنيفة للمجتمع والنظام وثروة البلاد ورقيه.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في الممصدر المذكور.

المصدر : جريدة الصباح-7-5-2006