مقالات و محاضرات

 

 

الثيوقراطية ونظرية المؤامرة في الولايات المتحدة !

 

 

دافيد بروكس

 

«البارانويا» في السياسة الأميركية

توجد دائما، في السياسة الاميركية، شعرة من «البارانويا». ففي منتصف الستينات، عندما شعر اليمين بالضعف، ازدهرت جمعية جون بيرتش. واليوم عندما استشعر اليسار بالحرمان، اهتم الليبراليون بتخيالات نظرية المؤامرة لكيفين فيلبس، الذي لا يزال كتابه «الثيوقراطية الاميركية» في قائمة «نيويورك تايمز» أكثر الكتب مبيعا للاسبوع الخامس على التوالي.

واسلوب فيلبس تقليدي بالنسبة للمتأمرين ـ فهو يأخذ قضية واحدة او مجموعة من النقاط ويبنى عليها نظـرية لاظهار كيف تسيطر الجمعيات السرية على اميركا.

ففي الجزء الاول من «الثيوقراطية الاميركية» يصف تطور ظاهرة «التحالف السياسي النفطي». فدوايت ايزنهاور «ولد في منطقة نفطية» وفي عام 1952 اصبح اول جمهوري يكتسح مراكز النفط جنوب الولايات المتحدة. كما ان ريتشارد نيكسون قضى «طفولته في ولاية نفطية».

وبحلول عام 1997 تزايدت المبررات للاستيلاء على نفط العراق، طبقا لما يؤكده فيلبس. واضاف «وكان يبدو ان القرار شبه النهائي لغزو العراق قد اتخذ اوائل 2001،» قبل أشهر من هجمات 11 سبتمبر. وولدت حرب العراق.

ويستمر فيلبس في الاشارة الى ان تحالف النفط امتزج بجيش سري آخر، ألا وهو الناخبون الذين يؤمنون بالعالم الآخر. واعتمدا على حقيقة ان ملايين الناس اطلعوا علي سلسلة القصص الخيالية المعروفة باسم LEFT BEHIND، يؤكد فيلبس ان ما يتراوح بين خمسين الى ستين في المائة من الجمهوريين يؤمنون بوقوع ارماغيدون (المعركة الفاصلة بين قوى الخير والشر) وهم متأثرون بوجهة النظر القائلة ان «تدمير بابل الجديدة» في العراق سيؤدي الى الاسراع بعودة المسيح المخلص.

وقال فيلبس ان البيت الابيض في عهد بوش يرسل رسائل الى هؤلاء الاميركيين عبر «شفرات مزدوجة» ـ ربما تعني امرا مختلفا بالنسبة للاميركي العلماني، وتحتوي على معان خفية بالنسبة للاشخاص المتدينين. ويشير فيلبس الى ابحاث تظهر ان الرئيس بوش استخدم كلمة «اعتقد» 12 مرة في خطابه أمام مؤتمر الحزب الجمهوري عام 2004 وهي شفرة بالنسبة للمتعصبين الدينيين.

ولا حاجة بنا الى القول إن كتاب فيلبس مليء بالمزاعم الغريبة؛ فهو يكتب قائلا ان «الكثير من النساء اليهوديات الأورثوذكسيات لا يمكنهن حتى دراسة التوراة»، وان الكاهن سون ميونغ مون «قريب من عائلة بوش»، وان الثورة الأميركية كانت «حربا دينية الى حد كبير». ولكن طريقته نموذجية الى حد ما؛ فهو، أولا، يستفيد من سجل جهل قرائه الليبراليين بالجماعات الانجيلية مما يمكنه من ايراد مزاعم مضحكة. ومن ناحية ثانية فان فيلبس، كما اشار جاكوب وايزبيرغ في مجلة «سليت»، يبدأ فصلا بتوجيه اتهامات كبرى. ثم يحيد عما يسميه وايزبيرغ «رحلة تاريخية تتسم بالغرور والحذلقة» في علم المعادن في العصور الوسطى أو قضايا السياسة في القرن السادس عشر. وبعدئذ ومن دون تقديم دليل أو اجابة عن أي من الاعتراضات يكرر اتهامه بلغة أقوى.

من ناحية ثالثة، يعتبر فيلبس استاذا بارعا في تقطيع الواقع الى شرائح حتى يتوافق مع الاستنتاجات المقررة سلفا. وللتعرف على مثال واحد من بين أمثلة كثيرة، فقد نظم الكاهن الانجيلي فرانكلين غراهام لقاء لمعالجة أزمة الايدز. وقال فرانكلين ان الانجيليين يجب ان يشعروا بالعار من استجابتهم البطيئة للأزمة. وأثنى على مساعي كولن باول على الرغم من ان باول من الداعمين بقوة لاستخدام موانع الحمل.

وكتب فيلبس حول ذلك اللقاء ولكنه تجاهل كل هذا. وبدلا من ذلك وجه اتهامات الى اللقاء، مشيرا الى ان «السيد المسيح وحده يستطيع أن يحقق التغير الاجتماعي المطلوب لايقاف الايدز، وفقا لما قاله الكاهن فرانكلين غراهام عام 2002 امام مؤتمر في واشنطن».

خدمة «نيويورك تايمز»

المصدر : الشرق الأوسط – 5-4-2006