العراق - إيران ... تبادل التهم بالإرهاب

 

 

هاني فحص

 

تبادل التهم مسلك بشري فردي وجماعي من الصعب الخلاص التام منه، وقد كان متوقعاً للحركات والأحزاب السياسية باعتبارها مؤسسات مدنية أن تكون أشد اهتماماً بالتخفيف من هذا السلوك المدمر الذي يطمس الحقائق من خلال الميل الجارف الى أبلسة الآخر المختلف وتقديس الذات، إلا أن هذه الأحزاب زادت الطين بلة بأدائها ورتبت علينا وعليها أثماناً باهظة... هذا السلوك السلبي التبادلي يبلغ منتهى خطورته عندما يضاف الى دوافعه الدافع الإيديولوجي أو الديني أو المذهبي ومنه يأتي التكفير الذي ينتهي عادة بـ القتل مترتباً على مقدمات متطرفة وعلى ذهنيات تعالج التطرف بتطرف أشد. ولأن الفكر الديني ينبع أساساً ويجري نحو المطلق فإن كثيراً من المتدينين صحيحي الدين أو منقوصيه، يخلطون بين المطلق والنسبي أو يرفعون النسبي الى مقام المطلق ومنهم خير مطلق من وجهة نظرهم والآخر شر مطلق... وهم أبرياء والآخر مجرم. ويقود هذا المنطق في العادة الى تهيئة المبرر والغطاء لمن يرتكبون السوء في الطرف الآخر، أن يستثيروا العصبيات في جماعتهم ليرفعوا نسبة ارتكابهم للشرور والمساوئ مستدرجين الطرف المقابل الى سلوك مماثل وأشد فتكاً في كثير من الأحيان... والأنكى من هذا ان كلا الطرفين يقدم مسلكه الإلغائي التطهري على أنه دعوة الى الله... ما كان نتيجته ان النسبة الساحقة من الدماء التي جرت وتجري ظلماً، يتدبر لها سافكوها ذرائع دينية تقوائية. وإذ نلاحظ قبلاً ان صيغة كصيغة الاتحاد الأوروبي قد قامت على القطيعة مع خمسمئة سنة من الحروب الدينية، فإننا نحن العرب والمسلمين منخرطون في العمل على تجديد هذه الحروب في ما بيننا.

ما يعني أننا ذاهبون في سبيلنا الى استبدال حالة الخراب التي سببها الطامعون بنا بخراب يسببه الطامحون منا... ولعل أبرز مثال على ما نعانيه ويؤشر على مخاطر جمة، هو هذا التبادل اليومي للتهم في العراق بين السنّة والشيعة، أو بين بعض السنّة وبعض الشيعة، ممن يرون كيانهم لا يقوم إلا بالتوتر والصراع، من دون أن يمنعوا قوى الاعتدال والشفافية في الطرفين من العمل والجهاد من أجل تفادي الفتن... ولكن الخطاب الطائفي أعلى نبرة وهو معضود بالدم اليومي، وإن كان الى نهاية محتومة فإن الخسائر التي تترتب عليه كبيرة جداً ومن شأنها ان تسد أفق الاعتدال في المدى المنظور. الراعي لهذا الكلام موجود دائماً وسيبقى موجوداً طالما ان هناك أناساً ضيقو الأفق ولا يتناسب عقلهم العملي مع مستوى تحصيلهم العلمي.

أما السبب المباشر لكلامي فهو ما سمعته من قيادي عراقي مسلم لا تشك في إسلامه ولا في علمه... حيث وقف هذا الرجل المعروف من دون غيره من علماء مذهبه، في مؤتمر تأسيسي لتيار الوسطية في عاصمة عربية، متحدثاً عن المشهد العراقي، وقال كلاماً كثيراً هادئاً يمكن قبول أكثره والمناقشة في بعضه، الى ان وصل الى منطقة خطرة فقال: ان هناك مقاومة في العراق بنسبة 80 في المئة، وهي مقاومة صاخبة ضد المحتل، وهناك 20 في المئة من العمليات العسكرية هي إرهابية تطاول سنّة العراق وقليل منها يطاول الشيعة. وهو عدّد مصادر الإرهاب من دون تصريح مقتصراً على العموميات ولم يصرح إلا باسم إيران كمصدر أساس من مصادر الإرهاب المباشر أو غير المباشر، أي بفعل إيراني كامل، أو بدعم إيراني كامل.

وهنا تصدى بعضهم للنقاش الهادئ والمسؤول منطلقاً من أن ذلك إذا ما كان صحيحاً فإنه يستدعي إدانة صريحة ومعالجة قوية ناجعة. وهذا يعني أنه لا بد من وثائق تفصيلية أو فيها بعض التفاصيل والوقائع، وتكفي واقعة واحدة موثقة بأساليب التوثيق الحديثة والتي يمكن ضبطها بضوابط علم الحديث وشروطه... تكفي واقعة واحدة لتصدر إدانة لن يتخلف عن التوقيع عليها والانخراط في العلاج إلا مكابر أو منافق.

الى ذلك فإنه مطلوب من الجميع ان يقفوا بعمق أمام تناقض صريح يأتي من أن أكثرية شيعة العراق ومعهم كثرة من الشيعة العرب مستاؤون من أسلوب القناتين الفضائيتين («العالم» و «المنار») مع الأحداث في العراق، ويعتبرون أداءهما ضد المحتل يلتبس أحياناً بتجاهل الوضع الشيعي ويجامل أو يداري الوضع السنّي... والقناتان واحدة منهما إيرانية محض والثانية إيرانية بنسبة عالية.

والذي يقف على هذا التناقض يطلب فهماً وتفهيماً ملحاً. لأن الجميع يعرفون ومن دون أدنى شك أن اختلاف - وإن كان هناك من لا يؤيد - «حزب الله» الذي يضعه الجميع في السياق الإيراني قراراً وفعلاً هو الأشد مواجهة للمشروع الأميركي والمشروع الأميركي أشد مواجهة له من غيره. وأن المقاومة وتحرير جنوب لبنان إنما كانت صداماً مع الوجه الأبرز للمشروع الأميركي في المنطقة، ما جعل سلاح الحزب هدفاً أميركياً يأخذ النقاش حوله في لبنان والمنطقة والعالم طابعاً في غاية السخونة والخطورة. ولعله أصبح معلوماً عند الجميع ان الأشهر الأخيرة كشفت ان هناك نفوذاً إيرانياً قوياً في العراق، وقد يكون لبعض الشيعة أو كثيرين من الشيعة في العراق وغيره تحفظات على هذا النفوذ، غير ان هناك اتفاقاً عربياً وإسلامياً على أنه نفوذ مباين للنفوذ الأميركي في العراق وفي المنطقة عموماً... فهل هذا يتناسب مع ممارسة إيران للإرهاب في العراق، الذي هو في المحصلة لمصلحة الاحتلال؟ هذا مع العلم ان نسبة من الشيعة العراقيين وغيرهم غاضبون على إيران في العراق ويقولون في حقها تهماً تحتاج الى أدلة وهي أنها تشجع المقاومة من دون تفريق بين سنّية وشيعية، وأن دعمها يصل أحياناً كثيرة الى أيدي أطراف سنّية يتهمها بعض الشيعة بأنها تمارس الإرهاب... يلح بعض القادة العراقيين على هذه المسألة ولا يتراجعون عنها على رغم انهم قد لمسوا ان التيار الاعتدالي الشيعي والعلمائي الواسع في الدول العربية لا يقيم علاقته بالمسألة العراقية على هذه الصورة المعطاة... والتي لا قبول لها إلا في أوساط المتطرفين الذين يضربون بقسوة لافتة في سائر الأقطار العربية من المحيط الى الخليج.

هاني فحص : كاتب لبناني .

وكل ذلك بحسب راي هاني فحص في المصدر المذكور .

المصدر : الحياة اللندنية  – 4-5-2006