مقالات و محاضرات

 

 

خريف وحراك

 

 

استندت الحكومة المصرية في طلبها من البرلمان تمديد العمل بقانون الطوارئ إلى التفجيرات التي ضربت سيناء أخيراً، لتدلل على أن الإرهاب ما زال قائماً وأن مواجهته لا يمكن أن تتم من دون ذلك القانون المعمول به في البلاد منذ العام 1981، وفي المقابل رأت قوى المعارضة أن ذلك القانون (الاستثنائي) «لم يعد استثنائياً»، وإنما «أمر واقع»، وأنه أحد أسباب الإرهاب لأنه يخلق احتقانًا ويحد من الحريات، ويقف حائلاً دون الاصلاحات، ويمنع الراغبين في التعبير عن آرائهم بالكلام والعمل السياسي المنظم من حقهم في المعارضة وممارسة السياسة كما باقي شعوب العالم، ويضرب آمالهم في تداول حقيقي للسلطة، فيكون البديل أمامهم إرهاباً يعصف بالجميع. وقل الحديث أو ندر في مصر عن تحديث الدولة والارتقاء بها وأخذت في الكلام عن البحث العلمي والتحضر ومواكبة التطورات العلمية في العالم، بقيت لغة الحوار حادة والتراشق بين مفردات المجتمع تحول سمة، والعراك عبر الصحف وفي المنتديات صار واقعاً، والكر والفر بين قوى المعارضة في التظاهرات الاحتجاجية اصبح مشهدا مألوفا لم يعد فيه خبر. ودخلت فئات عدة في صدامات مع الحكومة، وما بين القضاة والمحامين والصحافيين والأحزاب والحركات السياسية وأساتذة الجامعات تقف الحكومة بأجهزتها وعلى رأسها جهاز الأمن في مواجهة تلو الأخرى.

اشتبك المشهد السياسي المصري وتداخلت خيوطه وصار الحديث عن الفساد وغياب الحريات وتلكؤ خطوات الاصلاح سائداً في الصحف الحزبية والمستقلة إلى درجة جعلت المشهد يكاد يطيح بالأمل في مستقبل أفضل، ولا يبدو أن الرئيس مبارك منزعج من هذه الحال، بل إنه أعرب عن ارتياحه لما يجري، معتبراً الأمر حراكاً سياسياً يموج به المجتمع المصري، ولا يدعو إلى القلق. كما أن الحكومة لم تتخذ أي خطوات «لتقييد» هذا الحراك الذي يراه البعض «احتقاناً» وقد ترى الحكومة أنه لا يحتاج إلى تخفيف أو تفريغ طالما أن الاستقرار راسخ. قضية القضاة يمكن أن تحل بقرار من وزير العدل أما البرلمان الذي يتمتع فيه الحزب الوطني الحاكم بالغالبية المطلقة، فيمكنه وضع حد لمسألة حبس الصحافيين في قضايا النشر، ومن السهل عليه تعديل قوانين ممارسة العمل السياسي، كما أن السلطات التابعة للدولة يمكن أن تغير من طريقة تعاطيها مع المعارضة فلا تمنع تظاهرة ولا تطارد متظاهراً، ولا تعتقل معارضاً، واللجنة التي تم تشكيلها لوضع بنود ومواد قانون لمكافحة الإرهاب الذي سيكون بديلاً لقانون الطوارئ كان يمكن تشكيلها في أي من الـ 25 سنة الماضية، فالأوضاع لم تختلف كثيراً والإرهاب يضرب مصر منذ بداية عقد التسعينات وكم من المرات التي رأت فيها المعارضة أن قوانينا تم «سلقها» بسرعة، لكن هذه المرة اللجنة تحتاج إلى سنتين لتنجز عملها وخلالها يزيد غضب المعارضة وترتفع وتيرة الحراك أو الاحتقان.

عموماً في مصر الآن وجهتا نظر، الأولى ترى أن خريفاً يمر بالبلاد وأن الأوضاع تنذر بعواقب وخيمة، وأن شيئاً ما سيحدث ما زال مجهولاً، وإن بدا مخيفاً. وأخرى ترى أن «الحراك» الذي تموج به البلاد مفيد في إخراج ما في جوف المعارضين من أمراض، وإظهار إلى أي مدى تعاني الحياة السياسية أوضاعاً لا تسمح لحزب أو قوة سياسية أخرى أن تحكم البلاد، وأن تداول السلطة ما زال مبكراً على اساس ان قوى المعارضة لم تستغل مساحة الحريات التي اتيحت لها الاستغلال الأمثل، وأن الأمراض داخل الأحزاب وبين مؤسساتها تفوق بكثير الاخطاء داخل الحكم والحزب الحاكم. وبين «الخريف» و «الحراك» يبقى المواطن المصري مهموماً بقضايا حياته، وبتدبير لقمة عيشه فلا هو مستفيد من الحراك ولا هو خائف من أي خريف.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر : الحياة اللندنية-3-5-2006