من يحتاج إلى الطوارئ؟

 

 

عبد الرحمن الراشد

 

لا افهم أهمية قانون الطوارئ في اي بلد عربي طالما ان السلطة ذات مركزية مفرطة تستطيع ان تعتقل وتحقق وتحاسب متى ما رأت ذلك ضرورة أمنية او غيرها. أتفهم ان تلجأ حكومات ديموقراطية معقدة الى قوانين استثنائية في ظروف خاصة، كما طلبت الولايات المتحدة بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر في قوانين سمتها بـ«الوطنية» تتيح لها الاعتقال والتحقيق والترحيل الاستثنائي. هناك لا يستطيع الرئيس ان يفعلها من دون موافقة، وعندما يخالف تقع الحكومة في سلسلة عقوبات، ثمنها قد يدفعه الرئيس او كبار وزرائه.

اما في العالم العربي فلو كانت الحكومات من الدقة والانضباط والنظام درجة الحذر والنظام التشريعي والقضائي من الفعالية درجة الملاحقة لقلنا مهم إعلان قوانين استثنائية. فالحياة كلها استثنائية عند الحكومة العربية. فهي النظام والدولة والقضاء وتستطيع باسم الشعب ان تقرر وتلغي وتتجاوز ويندر ان تحاسب على ذلك.

وليسمح لي الحكوميون في مصر طرح السؤال نفسه، لماذا تحتاج الحكومة الى الاستمرار في قانون الطوارئ القديم؟

هل لأنه يسمح لضابط الأمن ان يحتجز المشتبه فيه ستين يوما للتحقيق بدل الثماني والاربعين ساعة القانونية في ظل القانون الجنائي العادي؟

يصعب علي ان أتخيل ان الأمن والمدعي العام يواجهان اشكالات كبيرة في احتجاز المشتبه فيهم ارهابيا لفترات طويلة. لن تنقصهم الحجج والاساليب شبه النظامية، وحتى عند المخالفات في مثل القضايا الكبرى كالارهاب فان ذنوبهم مغفورة عند الرأي العام، او لنقل منسية. نحن نتعامل مع واقع معيش في العالم العربي حيث يتعايش إهمال القوانين مع تطبيقها. تستطيع ادارة السجن مثلا إطالة استضافة السجناء العاديين لأسابيع تكلف خزينة الدولة اموالا طائلة وتخالف قرارات المحكمة التي نصت على فترات حبس محددة.

ولو ان الاصرار على قانون الطوارئ يعني دقة الحكومة في تطبيق القانون، ولا تريد احتجاز احد بما يخالف التزاماتها التشريعية، لقلنا يا له من موقف قانوني واخلاقي واداري رائع، ولاستحقت اي حكومة ان تسامح على تبنيها قوانين الطوارئ، لكن المشكلة ان الحكومات مركزية بدرجة تجعلها المشرع والمنفذ.

ولا شك عندي ان مصر تحتاج الى حملة نشطة ومستمرة ضد الخلايا الارهابية تستوجب تجاوز الانظمة العادية لأن الارهاب أكبر خطر يهدد المجتمع الدولي كله. دول أصابها الارهاب بضربات اقل، مثل بريطانيا، لجأت الى تغيير قوانينها وتوسيع صلاحيات الامن. لا نتوقع من السلطات الأمنية في مصر بعد كل هذه الهجمات والمؤامرات ان تحافظ على نظام امني صمم لمحاسبة اللصوص والشجارات الزوجية والجرائم الجنائية، لقد تغير العالم وتغيرت المبررات.

الذين يطالبون الحكومة المصرية ان تترك الارهابيين والمتطرفين من اتباعهم يسرحون باسم القانون لا يهمهم حماية القانون ولا أمن الناس والبلد بقدر ما يريدون افتعال معركة سياسية ضد الحكومة. ولهذا نقول ان الحكومة تستطيع ان تلغي نظام الطوارئ القديم وتستبدل به أنظمة محددة خاصة بمحاصرة الارهاب تعطيها خطا سريعا في الاعتقالات والمحاكمات فقط. اما قانون الطوارئ الفضفاض فانه يخدم معارضيها دعائيا.

و كل ذلك بحسب راي  عبد الرحمن الراشد  في المصدر المذكور .

المصدر : الشرق الاوسط اللندنية – 2-5-2006