رسالة إلى الرئيس طالباني

 

 

عدنان حسين

 

فخامة الرئيس للصداقة حقوق، منها المكاشفة والعتاب. واظن ان بيننا نوعا من الصداقة نشأ منذ اكثر من خمسة عشر عاما، وكان واسطة العقد صديقنا المشترك عباس البدري، الصحافي البارع والشاعر الرقيق والعاشق الابدي.

وفضلا عن الصداقة وحقوقها فان ما يدفعني الى الكتابة اليك، يا فخامة الرئيس، انك رئيس الدولة التي انا احد مواطنيها، والدستور الذي اتاح انتخابك رئيسا يمنحني وكل العراقيين حق مكاشفتك وعتابك، بل توجيه النقد ومحاسبتك ايضا عما يتعلق بمنصبك ووظيفتك. فانت، بخلاف من سبقوك، اول رئيس للدولة العراقية ينتخب وفقا لدستور دائم، ونحن من اعطى لهذا الدستور شرعيته بالاستفتاء عليه في 15 تشرين الاول (اكتوبر) الماضي، ونحن ايضا من انتخبك الى منصبك في انتخابات 15 كانون الاول (ديسمبر).

انت، يا فخامة الرئيس، «رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن، يمثل سيادة البلاد، ويسهر على ضمان الالتزام بالدستور، والمحافظة على استقلال العراق ووحدته وسلامة اراضيه»، كما نصت المادة 64 من الدستور الدائم الذي استفتينا له واصبحت انت بموجبه رئيسا للجمهورية. لكن المؤسف، يا فخامة الرئيس، انك انتهكت الدستور (المادة 64 بالتحديد) منذ الساعة الاولى لتوليك مهامك.

نحن استفتينا لصالح هذا الدستور لانه يضع الاساس لقيام نظام ديمقراطي في العراق. وما حدث في ساعة تنصيبك يوم السبت الماضي، هو امر غير دستوري، لانه لا يضمن لاستقلال العراق وسيادته ووحدته وسلامة اراضيه، وانت مكلف بهذا الضمان. فإلى جانبك انتخب مجلس النواب نائبين لك اقسما اليمين معك.

اذا عدت، يا فخامة الرئيس، الى نص الدستور الذي كلفناك مهمة السهر على ضمان الالتزام به ستجد ان المادة 66 تقول: «ثانيا: تنظم بقانون احكام اختيار نائب او اكثر لرئيس الجمهورية»، ولقد «انتخب» مجلس النواب نائبين لك من دون وجود القانون المنظم لهذه العملية. والادهى ان نائبيك اختيرا وفقا لصفقة سياسية جعلت من احدهما شيعيا ومن الثاني سنيا مثلما جعلت من رئيس مجلس النواب سنيا ونائبه الاول شيعيا.

هذه الصفة تناهض النظام الديمقراطي الذي وعد الدستور باقامته، فهي تؤسس لنظام الطائفية السياسية، وهذا النظام يؤسس بدوره لخراب اكبر من الخراب الاسطوري، الذي خلّفه صدام حسين.

لماذا يتعين ان يكون لك نائبان؟ الدستور لا ينص على هذا، وحتى لو نص لماذا يتعين ان يكون اختيارهما على اساس طائفي، احدهما شيعي والاخر سني ما دمت انت كرديا؟ ولماذا يتعين ان يكون كل من هذين النائبين عضوا في حزب طائفي؟ لماذا لا يكون لك نائب واحد، اكاديمي يتولى مهمة نشر العلوم والتكنولوجيا في بلادنا التي تخلفت قرونا عن الركب الحضاري، او عالم اجتماع يضطلع بمهمة ابراء مجتمعنا من علله الكثيرة واخراجه من ظلام الجهل والتخلف، او مثقف يعيد الى اداب العراق وفنونه ألقها الخابي، او سياسي وطني يعيد الاعتبار الى الوطنية العراقية التي اهانها صدام حسين طويلا ويهينها النظام الطائفي الحالي كل يوم وكل ساعة ايضا؟

الصفقة التي جعلت منك رئيسا كرديا بنائبين شيعي وسني ومن رئيس مجلس النواب سنيا بنائبين شيعي وكردي، ومن رئيس الوزراء شيعيا، وربما سيكون له نائبان احدهما سني والثاني كردي.. هذه الصفقة، يا فخامة الرئيس الساهر على «ضمان الالتزام بالدستور والمحافظة على استقلال العراق وسيادته ووحدته وسلامة اراضيه»، تغلق كل الابواب امام النظام الديمقراطي الذي ينشده الشعب العراقي منذ امد طويل، بل يحتاجه لحل مشاكله التاريخية ووضع حد لتاريخ جدّ طويل للعنف والدم والآلام.

واني ليشق عليّ ان يكون صديق لي يراد منه ان يسهر على الالتزام بهذه الصفقة اللعينة وليس الدستور المستفتى عليه. والسلام.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الشرق الأوسط اللندنية-29-4-2006