مقالات و محاضرات

 

 

أدوات "الطغيان" الجديدة تحير أميركا!   

 

روبرت إيه. كابلان

 

كان عبور الحدود يحمل لي دائماً نوعاً من الدراما. أذكر أنه بعد مرور دقائق على عبور القطار الذي كنت أستقله للحدود الفاصلة بين المجر ورومانيا في ثمانينيات القرن الماضي -أي من دولة يقودها نظام شيوعي ليبرالي إلى دولة ترزح تحت وطأة حكم نيكولاي شاوشيسكو- أن ضباط الجمارك الرومانيين حاولوا مصادرة آلة الطابعة الخاصة بي.

ولكن تلك الحدود بين الدول تتآكل في الوقت الراهن، لتفسح الطريق لظهور جماعات غير مرتبطة بدول مثل تنظيم "القاعدة" مثلاً. لا يعني هذا أن الدولة التقليدية في طريقها للاختفاء. فالحقيقة هي أنها ستظل أخطر القوى على الساحة الدولية، وخصوصاً عندما تكون تحت قيادة زعيم متهور ومزود بأسلحة دمار شامل، أو لديه الرغبة في استخدام الإرهابيين لتحقيق أهداف استراتيجية.

وعلى الرغم من أن بعض الزعماء الأشرار من النمط القديم قد لا يكونون مدعومين شعبياً، فإن ذلك لا يعني أن خلعهم من كراسيهم أمر سهل. هؤلاء الزعماء يتجسدون في عدة أشكال: فهناك بالطبع الطغاة التقليديون مثل صدام حسين و"كيم يونج إيل" الذين كانوا يستخدمون أساليب طغيان عتيقة ويعتمدون على تنمية الميل إلى "تقديس الشخصية" لدى شعوبهم لطمس الروح الفردية لتلك الشعوب وجعلها في حالة استنفار دائم. وهناك الزعماء الذين يجمعون بين صفات لوردات الحرب ورجال العصابات مثل "سلوبودان ميلوسيفيتش" في صربيا و"تشارلز تايلور" في ليبيريا.

وهناك نمط "هوجو شافيز" في فنزويلا الذي يقود دولة يشعر شعبها بالسخط الاقتصادي والغضب الديني وتتحول فيهما الموارد الاقتصادية مثل النفط إلى قبضة رمزية يرفعها النظام ضد أعدائه. وهناك نمط "لوكاشينكو" في بيلاروسيا التي لا تزال تعيش في الحقبة السوفييتية، ونمط جنرالات "ميانمار" الغامضين الذين أبقوا بلادهم رهينة الفاقة والفقر، ونظام "البلطجة السياسية" الذي يقوده "روبرت موجابي" في زيمبابوي. وهذه التصنيفات في الواقع فضفاضة ومتداخلة، والشيء الذي تشترك فيه هو قدرة هؤلاء الطغاة على استغلال جهاز الدولة بأكمله دون اعتبار لإرادة الشعب.

وفي الوقت الذي تميل فيه الديمقراطيات الغربية إلى تقديم نمط من الزعماء العاديين الذين يصعدون إلى الحكم من خلال انتخابات مفتوحة، فإن الكاريزما الشخصية للزعماء في دول العالم الثالث تلعب دوراً كبيراً في التأثير على الجمهور، وخصوصاً عبر أجهزة الإعلام، ثم تأتي الانتخابات الأقل انفتاحاً التي تلعب فيها "البلطجة" واستخدام القوة دوراً كبيراً خلف الكواليس، لتزيد من احتمالات إنتاج فئة من الزعماء الذين ينتمون إلى فئة المهيِّجين الجماهيريين.

وهناك عامل اقتصادي يدخل في الموضوع. فالقبضة التي يلوح بها شافيز وأحمدي نجاد في وجه أميركا، تكشف عن حالة من السخط وعدم الاستقرار الداخلي. بيد أن العقوبات لا تجدي نفعاً في التعامل مع هذا النوع من الزعماء، بل قد تؤدي إلى التفاف الشعب حولهم في مواجهة التهديد الخارجي.

علاوة على ذلك نجد أن التوترات الاجتماعية قد انفجرت كنتيجة لإطلاق قوى السوق التي خلقت حالة من النمو السريع وغير المتوازن في آن. وقد أدى رد فعل المحرومين على ذلك، إلى صعود زعماء مثل شافيز في فنزويلا و"موراليس" في بوليفيا وغيره من الزعماء "اليساريين" في أميركا اللاتينية.

ولأن تلك الأنظمة الديكتاتورية تحكم من خلال استئصال جميع أشكال التنظيمات الاجتماعية القائمة بين الحاكم على القمة، وبقية التنظيمات الأخرى في القاع، فإن إطاحتها غالباً ما تؤدي إلى حالة من الفوضى الشاملة والتمرد كما نرى في العراق حالياً.

على الرغم من ذلك فإن المشاكل الرئيسية التي ستواجهها الولايات المتحدة في المستقبل لن تأتي من هذا النمط من الأنظمة الاستبدادية وإنما من الأنظمة التي تزدهر على التغييرات التي تحدث في "الميديا"، التي تُستخدم كمكبر صوت على النحو الذي يقوم به شافيز. كما أن مبدأ سيادة الدولة أصبح أقل أهمية مما كان عليه في الماضي، على أساس أن المجتمع العالمي لن يقبل بأية حالة من حالات الانتهاكات الإنسانية الجسيمة. ولن تكون له قيمة كبيرة، إلا عند تطبيقه على دول هامشية مثل ليبيريا والصومال وهاييتي. في نفس الوقت سيواصل الطغاة الذين يحكمون دولاً ذات تعداد سكاني كبير استخدام وسائل الإعلام ضد الولايات المتحدة وبقية العالم، بل وقد يقومون باستخدام ما يعرف بـ"التقنيات التخريبية" مثل أسلحة الدمار الشامل للتأثير على أوضاع قواتنا في الشرق الأوسط وآسيا.

إننا ندخل الآن إلى عالم أفضل تسليحاً، وبه عدد أكبر من اللاعبين الرئيسيين الذين لا توجد لديهم أسباب كثيرة للخوف منا والذين يستخدمون التقنيات التخريبية والمنظمات الإرهابية لتهديدنا.

إن ذلك كله جعل حاجتنا إلى اتباع نهج عسكري- دبلوماسي موحد في السياسة الخارجية أكبر مما كانت عليه في أي وقت في الماضي وخصوصاً إذا ما عرفنا أن المستقبل سيكون في جوهره عبارة عن لعبة احتواء ذات أبعاد متعددة.

مراسل دورية "ذي أتلانتيك" ومؤلف كتاب: جنود إمبرياليون: العسكريون الأميركيون على الأرض

و كل ذلك بحسب راي روبرت إيه. كابلان في المصدر المذكور .

المصدر : الاتحاد - ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست" – 26-4-2006