مشكلة في السياسة الخارجية الأميركية:

                                                                   فلسطين

 

جون غونثر دين

 

المشكلة الفلسطينية هي من نواحٍ عدّة، المشكلة الأكثر حضوراً وتعقيداً وخطورة في السياسة الخارجية الأميركية. وهي أيضاً المشكلة الأصعب على المعالجة لأنّها متجذّرة بعمق في الشعور بالذنب والعواطف والخوف إلى درجة أنّها تكاد تخرج عن إطار التفكير المنطقي. يشعر الأميركيون، سواء كانوا مسؤولين حكوميين أو مواطنين عاديين، بحرّية كبيرة في انتقاد أميركا أو بريطانيا أو فرنسا بدون أن يُنظَر إليهم بأنّهم يمقتون شعوب تلك البلدان أو يعارضونها، في حين أنّ غير اليهود يخشون في معظمهم أن يُتَّهموا بالعداء للسامية حتّى ولو اقتصرت انتقاداتهم على السياسات المتشدِّدة لرئيس الوزراء السابق أرييل شارون. لا يحطّ هذا الموقف الأميركي من قدرنا نحن الأميركيين وحسب إنّما أيضاً يضرّ بإسرائيل أو اليهود في مختلف أنحاء العالم. لم تعد إسرائيل، أو بالأحرى لم تكن يوماً مؤسّسة خيرية دولية. إنّها دولة قوميّة قويّة وغنيّة نسبياً. ويجب تحليلها على هذا الأساس، تماماً كما يحلِّل مواطنوها ممارساتها.

على غرار أيّ دولتين أخريين، لدى إسرائيل وأميركا مصالح قوميّة لا تلتقي دائماً. السبيل الوحيد كي يتمكّنا من تنظيم علاقتهما وتقويمها كما يجب هو أن يحدِّد مواطنو كلّ من البلدين مصالحهم بعقلانية ويفهموا ما هم مستعدّون لفعله من أجل حماية هذه المصالح. لطالما كانت هذه الطريقة التي يحلّل بها الإسرائيليون علاقاتهم بأميركا. عندما كانت إسرائيل ترى تعارضاً بين أهدافها وأهدافنا، كانت تختار أهدافها بطبيعة الحال. لكن نادراً ما فعلت أميركا ذلك. على المستوى الحكومي، نتردّد في حسم مسائل ألحقت ضرراً كبيراً بالمصالح الأميركية. فعلى سبيل المثال، أضرّ الاجتياح الإسرائيلي للبنان واحتلاله كثيراً بالعلاقات الأميركية في الشرق الأوسط، وأوقفت السياسة الأميركية تجاه الفلسطينيين عمليّة السلام ولا شكّ في أنّها عزّزت الإرهاب الموجّه ضدّ أميركا.

تعامينا عن أحداث كنّا لنعارضها لو حصلت في مكان آخر أو قام بها شعب آخر، حتّى إنّ هذه المعارضة تصل أحياناً إلى حدّ استخدام القوّة العسكرية. ومن الأمثلة الصارخة هاتان الحادثتان: الأولى هي عندما أشعل عملاء إسرائيليون النار في مكتبة حكومية أميركية في الإسكندرية عام 1954 في محاولة لتعكير العلاقات المصرية-الأميركية، والثانية هي عندما حاولت القوّات الجوّية والبحرية الإسرائيلية إغراق السفينة "يو إس إس ليبرتي" التابعة للبحرية الأميركية عام 1967، وقد نجم عن الهجوم إصابة 75 جندياً أميركياً ومقتل 34. حتّى إنّهم فتحوا النار على قوارب ومعدّات النجاة مستخدمين الطواربيدات والرشّاشات والصواريخ ونيران النابالم، في محاولة على ما يبدو للقضاء على جميع أفراد الطاقم. من شبه المؤكّد أنّه لو قام أيّ بلد آخر في العالم بهجوم مماثل لسارعت الولايات المتّحدة إلى الردّ عليه بالوسائل العسكرية.

على الرغم من المشكلات الضريبية التي نعاني منها، الولايات المتّحدة خزّان لا ينضب تنهل منه إسرائيل باستمرار. وهبنا إسرائيل أو أعطيناها في شكل قروض لم نتوقّع منها يوماً تسديدها، مئة مليار دولار، وأقمنا معها علاقات تجاريّة مميّزة تؤدّي في بعض الأحيان إلى إلغاء الرسوم على الواردات التي نفرضها على البلدان الأخرى، ودعمنا صناعة الأسلحة في إسرائيل حتّى عندما أحبطت الأخيرة السياسة الأميركية عبر بيع أسلحة إلى بلدان نحاول أن نمنع بيع الأسلحة إليها، وآخرها الصين. وإذ يدرك الاختصاصيون الأميركيون في شؤون الشرق الأوسط المخاطر التي تترتّب عن تصنيفهم في خانة المعادين للسامية، يُحجِمون عن البوح علناً بالنتائج التي تقودهم إليها دراساتهم.

 يتصرّف الإسرائيليون بطريقة أكثر أنانيّةً وتركيزاً على الأمن من الأميركيين. وفي حين يخشى الأميركيون انتقاد الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، كان الباحث الإسرائيلي البارز أفي شلايم صريحاً في وصفه للاحتلال الإسرائيلي لغزّة قبل الانسحاب الأحاديّ الجانب. بعد الإشارة إلى أنّ المستوطنين الإسرائيليين في غزّة البالغ عددهم ثمانية آلاف يسيطرون على أربعين في المئة من الأراضي الصالحة للزراعة والقسم الأكبر من المياه في حين يناضل الفلسطينيون البالغ عددهم 1.3 مليون للعيش بالقليل المتبقّي لهم، علّق بأنّ الاحتلال الإسرائيلي "هو مشروع كولونيالي عقيم مصحوب بواحد من الاحتلالات العسكرية الأطول والأكثر همجيّة في التاريخ الحديث". لو كتب أميركي غير يهودي هذا الكلام لنُعِت بأنّه معادٍ للسامية أو حتّى طُرِد من منصبه الأكاديمي أو الحكومي. هذا غير لائق بأميركا ومضلِّل للإسرائيليين. فكونهم يعلمون بأنّهم يملكون شيكاً على بياض للتصرّف كما يحلو لهم، لا يعيرون اهتماماً لمحاولات الحكومة الأميركية خلق الظروف التي من شأنها أن تسمح لها بتحقيق مصالحها في الشرق الأوسط. لا يعني هذا أنّه يجب إلقاء اللوم على الإسرائيليين، فالذنب الأكبر يتحمّله الأميركيون. يتصرّف الإسرائيليون بمنطق انطلاقاً من رؤيتهم لمصالحهم الخاصّة. أميركا هي التي لا تتصرّف بمنطق. وهذا هو رأي عدد كبير من الإسرائيليين الرفيعي المستوى والمحترمين. يقلقون من أن يكون المستفيد الأساسي من الضعف الأميركي اليمين المتطرّف الإسرائيلي، وأن يُضرّ ذلك بمصالح إسرائيل في المدى الطويل، وحتّى بالديموقراطية الإسرائيلية.

و كل ذلك بحسب الراي جون غونثر دين في  المصدر المذكور .

المصدر : النهار اللبنانية – 22-4-2006