مقالات و محاضرات

 

 

الطعن بالولاء الشيعي طائفية سياسية 

 

نـزار حيدر

 

شخصيا، أعتبر أن أي طعن بولاء الشيعة وبأي شكل من الأشكال، ومن أي طرف كان، انما هو طائفية سياسية في جذوره.

يقول الفلاسفة، ان الشك طريقك الى اليقين، أما في السياسة، فالشك طريقك الى تدمير الآخر، وهذا ما مارسه السياسيون الطائفيون في العراق وبالتعاون مع الغازي البريطاني، منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة ولحد الآن، ففي نهاية العام (1920) وقف المدعو مزاحم الباجه جي يتلو خطابه الذي ودع فيه الكولونيل ولسن (وكيل المندوب السامي البريطاني، بعد أن أجهز عسكريا على ثورة العشرين) قال فيه{ان كل شيعي هو ايراني}.

ومنذ ذلك الحين ولحد اليوم، توالت الشكوك والطعون بولاء شيعة العراق، ضمن خطة طائفية مدروسة ومبرمجة ومستمرة، الهدف منها هو محاصرة الأغلبية من الشعب العراقي(الشيعة) والحيلولة دون أن يلعبوا أي دور أساسي واستراتيجي في السياسة العراقية، وذلك لأسباب طائفية بحتة.

 والأدهى والأمر من ذلك، هو أن منهجية الشك تحولت في العراق الى دستور وقانون صدر في العام (1926) سمي بقانون الجنسية سئ الصيت، والذي قسم العراقيين الى درجتين، أولى وثانية، عثماني وغير عثماني، فتحول هذا القانون الى سيف مسلط على رقاب الأغلبية العراقية (الشيعة) ينزل عليهم بهدوء أحيانا وبعنف تارة أخرى في عمليات تهجير وقتل وتدمير لكل ما يمت الى شيعة العراق بصلة، ابتداءا بالمؤسسات الدينية، وانتهاءا بالاقتصاد، مرورا بالحالة الاجتماعية والسياسية، ولا أخال أن أحدا نسي أن قرار التهجير الذي أصدره الطاغية الذليل في العام (1980) شمل شيعة العراق فقط، فيما استثنى غيرهم كالمسيحيين من عمليات التهجير.

 انها طائفية سياسية واضحة، والدليل على ذلك، أن رجلا أعجميا لا يتكلم العربية، هو المواطن التركي ساطع الحصري، يعتبره الطائفيون في العراق رائد المشروع القومي العربي(كذا) بينما يطعنون بهوية العشائر العربية الضاربة بجذورها في الجزيرة العربية، والتي هاجرت الى بلاد ما بين النهرين، فقط لكونها اعتنقت التشيع.

 والغريب، أنه عندما يكون شيعة العراق مشروع ذبح ووقود حروب المشروع القومي العربي في العراق، لا أحد يطعن بولائهم أبدا، حصل هذا منذ حركة الجهاد وثورة العشرون والغزو البريطاني للعراق في عام (1941) والحرب الظالمة التي أشعلها نظام الطاغية الذليل ضد شعبنا الكردي في شمال العراق، والحرب الظالمة التي شنها ضد الجارة الشرقية الجمهورية الاسلامية في ايران، وحرب غزو الجارة الجنوبية الكويت، وغيرها، ولكن، عندما يكون شيعة العراق قريبين من السلطة أو فيها، يتم الطعن بولائهم وانتمائهم، ترى، ألا يعني ذلك أنهم يراد لهم أن يكونوا وقود حروب العنصريين والطائفيين فقط؟.

 أسخر وأعجب من الذين ينفون وجود الطائفية السياسية في تاريخ العراق، فهم، برأيي، أحد اثنين، فاما أنهم جاهلون بتاريخ العراق والواقع الطائفي المر الذي ابتلي به العراق، وهؤلاء عليهم أن يعيدوا قراءة التاريخ مرة اخرى، ولكن بحيادية وتمعن ليكتشفوا الحقائق المرة على هذا الصعيد، واما أنهم شركاء في خطة حصار الشيعة، من خلال ممارستهم للطائفية السياسية بأدوات متعددة، ولذلك فهم يعرفون جيدا حقيقة الأمر، الا أنهم ينفونها أو يتسترون عليها لاعانة الطائفيين على مشروعهم الذي يستهدف الأغلبية من العراقيين، وبالتالي فهم يستهدفون العراق جملة وتفصيلا، على اعتبار أنه لا يمكن أن نتصور العراق من دون الشيعة، وهم الذين يشكلون أكثر من (65%) من مجموع سكانه، باعتراف حتى الطائفيين، كما صرح بذلك الرئيس المصري مؤخرا، وهم الذين لعبوا الدور الأساسي والمفصلي في كل مراحل تاريخ العراق.

لقد اعتمد المشروع الشيعي التاريخي على مبدأين أساسيين، هما الاستقلال والحل الديمقراطي، ولذلك نقرأ في تاريخ العراق أن الشيعة، وعلى رأسهم المؤسسة الدينية في المدن المقدسة، كانوا المبادرين الى تلبية نداء الواجب الوطني في التصدي للغزو البريطاني للعراق، سواء في العام (1914) أو في العام (1941) من خلال فتاوى الجهاد وتشكيل سرايا الجهاد والدفاع عن العراق ضد الغازي المحتل، ففي الوقت الذي تقاعست فيه عن تلبية واجب الجهاد المقدس علماء المؤسسة التركية، بل سعى جلهم الى الاتصال بالمحتل والتعاون معه على خدمة مشروعه في العراق، .. وهو في حقيقة أمرها (الخديعة الجاهلية الكبرى) وفي الوقت الذي التفت به من وراء ظهر العراقيين، عشائر مثل (شمر بزعامة الشيخ عجيل الياور، والدليم بزعامة الشيخ علي السلمان، وعنزة بزعامة الشيخ فهد الهذال) {ولقد ظهر فيما بعد أن هؤلاء الشيوخ، شأنهم شأن علماء المشيخة في بغداد، كانوا قد اتصلوا بالانجليز وقدموا لهم خدمات أمنية وعسكرية مقابل أجور وامتيازات ورواتب قدمت لهم {يقول الدكتور عبد الله فهد النفيسي في كتابه (دور الشيعة في تطور العراق السياسي الحديث، الصفحة 54) كان الراتب الشهري الذي يستلمه الشيخ فهد الهذال من الانجليز (17) ألف باوند} وبينما كان العسكريون العراقيون الذين يعتمدهم السلطان التركي ويغدق عليهم، والذين درسوا في مدارس عسكرية على نفقة الدولة العثمانية، وهي المدارس التي يرفض فيها قبول الشيعة، قد تحولوا في ساعات الحرج التي واجهتها القوات الاسلامية، الى الجانب البريطاني، فيما تحول آخرون الى العمل ضد الجيش العثماني، في أعقاب اتفاقات جرت مع رجال الاستخبارات الابريطانية الذين يديرون معسكرات الاسرى، وهم؛ جعفر العسكري، نوري السعيد، ياسين الهاشمي، طه الهاشمي، مولود مخلص، علي جودت، ناجي شوكت، صبيح نجيب، جميل الراوي، عارف قفطان، عبد الرزاق حلمي، سامي الاورفه لي، محمد أمين زكي، رشيد الخوجة، وهي المجموعة التي أسند اليها المحتل السلطة السياسية في العراق الجديد بعد الاجهاز على ثورة العشرين التحررية، وبينما لم يشترك في حركة الجهاد العلماء البارزون ممثلو المشيخة الرسمية التالية اسماءهم؛ عبد الرحمن النقيب، نقيب الأشراف ورئيس بلدية بغداد، محمد درويش الآلوسي، عضو مجلس ادارة بغداد عضو مجلس المعارف، نجم الدين الواعظ، قاضي بغداد، أمجد الزهاوي، رئيس علماء بغداد، عبد الوهاب النائب، عالم بغداد، محمد سعيد النقشبندي، عالم بغداد، محمود شكري الآلوسي، العلامة والاديب المعروف ولم يكن من علماء المشيخة لكونه وهابي المذهب، علي الآلوسي، انجمن الولاية، قاسم القيسي، مفتي الجزيرة، وعثمان الديوجي، عضو مجلس الأوقاف في الموصل، كما لم يشترك في حركة الجهاد الشخصيات البارزة التالية أسماؤهم، وهم ممثلو العراق في البرلمان العثماني؛ شوكت باشا، مصطفى الواعظ، رأفت السنوي، خضر لطفي، عبد المحسن السعدون، عبد المجيد الشاوي، مراد بك سليمان، محيي الدين الكيلاني، أحمد نديم، عبد الوهاب باشا القرطاس.

 بينما تقاعس كل هؤلاء العلماء وزعماء العشائر والعسكريين {وكلهم سنة} كانت الأغلبية من العراقيين{الشيعة) وأكبر الأقليات {الكرد} يقاتلون قوات الغزو البريطاني في الثغور، ولهذا السبب سلم الغازي والمحتل البريطاني السلطة الى الأقلية التي ظلت تحكم العراق على مدى نيف وتسعين عاما، في اطار سياسة التمييز الطائفي والعنصري، وخلال هذه الفترة، ظل قادة العراق وزعماءه يصرحون بين الفينة والاخرى بهذه السياسة من خلال توصيف الاكثرية وأكبر الأقليات(أقصد الشيعة والكرد) بالجهل، فيما ظلوا يطعنون في الانتماء الوطني للأغلبية على مدى السنين، وكلما أتيجت لهم فرصة ما للتعبير عن هذه السياسة الطائفية التي تأسس عليها العراق الحديث، فالملك فيصل قد اعتاد أن يصف الأكثرية الشيعية بالجهل فيقول في مذكرته الشهيرة{العراق مملكة تحكمها حكومة عربية سنية مؤسسة على أنقاض الحكم العثماني، وهذه الحكومة تحكم قسما كرديا أكثريته جاهلة، وأكثرية شيعية جاهلة} أما الكولونيل ولسن، وكيل المندوب السامي البريطاني، فيتحدث عن اجتماع عقده مع ثلاثة من الزعماء في صيف عام (1920) {ان اجتماعا سريا عقد مع ثلاثة ممن كانوا على اتصال وثيق بالزعماء الوطنيين فذكرتهم بالأقلية الكردية والعنصر الشيعي القوي في الفرات، كان محدثيي الثلاثة من السنة، فأجابوا بأن هذين الفريقين هم فلاحون جهال، يمكن ابقاؤهم في مكانهم بسهولة}.

 السؤال الذي يلح هنا للاجابة عليه، هو؛ لماذا تزامنت تصريحات الرئيس المصري، والتي طعن فيها بولاء الأغلبية من العراقيين (الشيعة) في هذا الوقت بالذات؟.

برأيي، فان هناك عدة أسباب دفعت به الى أن يطلق تصريحاته النارية تلك في هذا الوقت بالذات، وهي؛

أولا؛ فشل المبادرة العربية التي بدأت باجتماع القاهرة قبل عدة أشهر، تلك المبادرة التي أرادت من ورائها الأنظمة العربية أن تسوق الارهابيين وأيتام النظام البائد الى العملية السياسية الجديدة التي يشهدها العراق منذ سقوط الصنم في التاسع من نيسان عام (2003) ولحد الآن، لولا الموقف الصلب الذي أبداه ضحايا النظام البائد، عندما رفضوا أية محاولة من هذا القبيل، وكلنا يتذكر أنه كان من المفترض أن تتبع اجتماعات القاهرة تلك، مؤتمرا يعقد في بغداد، أطلقوا عليه اسم التوافق والمصالحة الوطنية، ليعيدوا من خلاله الكرة والمحاولة من جديد، الا أن استمرار صلابة الموقف العراقي، هو الذي أفشل كل هذه المحاولات، ما دفع بعدد من الزعماء العرب الى التصريح بهذه الطريقة الممجوجة.

ثانيا؛ ترقب انطلاق الحوار الايراني ــ الأميركي، الذي تعتبره الأنظمة العربية الطائفية، يتناقض مع دورهم في العراق، هذا الدور الذي ظل يحمل السمة التخريبية منذ سقوط الصنم ولحد الآن.

ثالثا؛ التصعيد الارهابي الطائفي ضد الأغلبية (الشيعة) وتكالب عدة أطراف عليهم، في محاولة منهم لفرض طوق الحصار عليهم من أجل اجبارهم على تقديم أقصى التنازلات في العملية السياسية، من خلال تجاهل الاستحقاقات الانتخابية الأخيرة التي عبرت عن حقيقة أحجام مكونات المجتمع العراقي، وتأتي تصريحات مبارك في اطار احكام فرض الحصار على الشيعة، بالتنسيق مع جرائم الارهابيين التكفيريين، والتصريحات الطائفية للسفير الأميركي في بغداد، التي حاول بها مغازلة الارهابيين على حساب تقدم العملية السياسية الى الأمام.

 23 نيسان 2006