كواليس خطط بوش الجديدة مع الإرهاب 

 

 

جيم هوغلاند

 

بعد أربع سنوات وسبعة أشهر على هجوم القاعدة على الوطن الأميركي يضيع ما هو أكثر من أسامة بن لادن. فما تزال ادارة بوش تصارع من أجل الموافقة على كيفية تنفيذ خطتها السرية لخوض الحرب العالمية على الارهاب.

وتلزم الخطة، التي جرت المصادقة على خطوطها العامة سرا الشهر الماضي في البيت الأبيض، الادارة بتركيز سلطاتها في مجال الأمن القومي على إلحاق الهزيمة بإرهاب الجهاديين في الداخل وفي الخارج. ولكن سلسلة من المعارك الداخلية التي أبقيت سرية، أكثر من الوثيقة السرية نفسها، أخرت الاتفاق النهائي حول من يمتلك السلطة لتنفيذ أكثر المسؤوليات تطلبا.

وما يزال حل هذه الخلافات يشغل لجان إعداد المسودات المرتبطة بالوكالات والمركز القومي لمكافحة الارهاب، على الرغم من أن الرئيس بوش طلب أصلا من مساعديه أن يتحركوا بإلحاح من أجل البدء بثورة في مناهج وهياكل الحكومة لخوض نمط جديد من الحرب الطويلة.

وتعتبر قصة إصدار المرسوم الرئاسي رقم 49 الخاص بالأمن القومي، على مستوى معين، قصة مألوفة عن معركة واشنطن التي وضعت الدبلوماسيين والجنود والعاملين السريين في قضايا الاستخبارات وفيالق خبراء الارهاب، في زحف نحو الموارد والمجد. وتحمل الوثيقة عنوانا آخر هو «المرسوم الرئاسي رقم 15 بخصوص الأمن الداخلي»، لأنها تحمل الوزارة المسؤولية عن منع الهجمات على الأراضي الأميركية.

ولكن القصة تشير ايضا، وعلى نحو مثير لمزيد من القلق، الى ان التنسيق الضعيف بين الوكالات والذي أسهم الى حد كبير في افتقار البلاد الى الاستعداد لمواجهة هجمات الحادي عشر من سبتمبر، يواصل إعاقة المعركة ضد القاعدة وحلفائها على نطاق عالمي. وتكلف عادة بوش في إعداد خطط كبرى وترك التابعين ينشغلون في إعداد التفاصيل ثمنا باهظا في هذه الممارسة.

ويعتقد بعض المسؤولين المعنيين بإعداد مسودة الخطة انها تمتلك امكانية صياغة استراتيجية قومية ناجحة، كما كان حال خطة «مجلس الأمن القومي 68»، وهي الوثيقة التي حددت معايير للعمل الأميركي في فترة الحرب الباردة. وألمح بوش الأسبوع الماضي في خطاب له الى انه يتبنى وجهة النظر تلك. غير أن آخرين يخشون من أنه ما لم يفوض المرسوم الجديد بعمل حاسم، ويحدد بوضوح المسؤولية عنه، فإنه يمكن أن يكون شبيها بخطط مكافحة التمرد التي أثبتت فشلها سريعا، والتي كانت واشنطن قد بذلت كل ما في وسعها من أجل وضعها في عهد حرب فيتنام.

وما تزال الحصيلة غير مؤكدة. ولكن محادثات خلال السنة الماضية مع عدد من المشاركين في مراجعتها تكشف عن تأثير قانون بيروقراطية واشنطن الذي يشير الى ان الشيطان يظهر دائما في التفاصيل.

ان البحث عن خطة أساسية لمكافحة الإرهاب ترتبط بالحاجة الى تحديث أو تغيير قوانين ما قبل الحادي عشر من سبتمبر، ووثائق السياسة الرئاسية والهياكل البيروقراطية التي تعاملت مع الارهاب الدولي الموجه ضد الأميركيين أساسا باعتباره مشكلة تنفيذ قوانين، وليس كصراع عالمي لا بد من الفوز فيه على ميادين معارك خارجية بالأسلحة والأفكار. وقد اتسعت تلك المراجعة خلال سنتين بشكل أو آخر، وبدت واكتملت عندما جرى رسميا تبني خطة المرسوم الرئاسي بخصوص الأمن القومي رقم 46 خلف أبواب مغلقة من جانب فريق بوش للأمن القومي، قبل أسبوع من نشر استراتيجية الادارة في مجال الأمن القومي علنا يوم 16 مارس. والحقيقة أن بعض الخلافات الحاسمة غير المحلولة قد جرى تجاوزها ببساطة لمصلحة اظهار الاجماع على «التعبير عن الطموحات»، حسب كلمات أحد المشاركين.

والقضايا الأكثر إثارة للنزاع، وخصوصا المدى الذي يتعين ان تذهب اليه وزارة الدفاع في تنفيذ الأمر المباشر لبوش «لشل وتدمير شبكات الارهابيين الجهاديين»، حتى وان كانت تعمل في بلدان صديقة أو محايدة، تلك القضايا تركت للتعامل معها في ملاحق يجري التفاوض عليها بين وزارات الخارجية والدفاع ووكالة المخابرات المركزية. ورفض المتحدث باسم مجلس الأمن القومي التعليق على محتويات الوثيقة أو على أي من الخلافات القائمة حول التنفيذ.

وقال لي مسؤول: «هذه الحرب أزاحت الخط اللامع القديم الذي كان يفصل ما بين الحرب التقليدية والدبلوماسية. لقد حركت الجنود وخبراء الشؤون الخارجية معا على سلم يرتفع ابتداء من محاولة مسك بن لادن حيا او ميتا إلى المهمة الحالية التي تهدف إلى تدمير الحركة الجهادية بالكامل مع ايديولوجيتها. ونحن لا نستطيع استخدام طرق التفكير القديمة ونفوز بها».

لكن مسؤولا من وزارة الخارجية قال بطريقة مختلفة: «نحن مررنا بفترة تتطلب تقديم إجابات مباشرة، والآن جاء الوقت للتلفت حولنا وللتركيز لفترة أطول. إنه من المهم تحديد الأدوار والمسؤوليات بشكل صحيح للوكالات الحكومية التي ستقود الحرب ضد الإرهاب».

وكانت كوندوليزا رايس، وزيرة الخارجية الأميركية، قد عبرت عن مخاوفها بشكل صريح عبر مؤتمر جرى بواسطة الفيديو، وجمع مساعدي بوش الكبار في منتصف يناير الماضي. فبجعل البنتاغون يعمل خارج سيطرة السفير الأميركي لضرب الشبكات الإرهابية في الخارج سيجعل من السياسة الأميركية وكأنها سياسة حربية وحاججت ضد ذلك بشكل أزعج رامسفيلد، حسب مؤتمر صحافي قدمه مسؤول شارك في الاجتماع.

قال هنري كرمبتون، منسق وزارة الخارجية لشؤون الإرهاب، ضمن جلسة استماع أمام لجنة القوات المسلحة التابعة لمجلس الشيوخ يوم 4 أبريل إن «أفضل وسائلنا لمواجهة تهديدات الإرهاب المتعدد الطبقات هو تشغيل شبكات تنسق ما بين الوكالات تحمل اسم فرق البلد، وهي تعمل تحت سلطة السفير ضمن أسلوب رابط بالحكومة. نحن لم نحقق ذلك بعد لكننا حققنا تقدما».

ويعود عدم تحقيق الهدف بسبب مساعي البنتاغون للعثور على المتطرفين الإسلاميين والتعامل معهم بطريقة منهجية. وقال مسؤول آخر: «لذلك نحن لا نتعقب أرانب». وهذا ما أثار معارضة من وزارة الخارجية والـ«سي آي ايه» التي تخاف فقدان موقعها في الخارج من خلال سياسة عسكرة وزارة الخارجية وأجهزة الاستخبارات.

وكانت صحيفة «نيويورك تايمز»، قد كشفت في مارس الماضي معارضة الـ «سي آي ايه»، لاستخدام البنتاغون لـ «عناصر الاتصال» التي هي فرق صغيرة للعمليات الخاصة مسؤولة عن العثور على الشبكات الجهادية ومواجهتها. وهذه تعمل مع قوات الأمن المحلية أو لوحدها في بلدان ذات سلطة مركزية ضعيفة أو غير موجودة مثل الصومال. وقال مسؤول آخر: «حتى هذا الوقت هناك ما يقرب من 60 رجلا في 20 دولة. وهي تعمل في هذا الحقل في معظم الحالات لكنها تخلق مشاكل بيروقراطية».

ولم يتم حل هذه المشكلة والخلافات الأخرى من قبل الفريق غير المجرب العامل ضمن مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض والذي حاول تخفيف الخلافات من خلال طرح مقترحات تهدف إلى توزيع المسؤوليات بين الدوائر المختلفة. لكن بدون الإشراف عليها يشير بوش إلى اهمية أن يقوم بربطها بوزارة الأمن الداخلي الأكثر خبرة وجاء ذلك في خطاب الرئيس بمدرسة بول نيتز للدراسات الدولية المتقدمة في واشنطن لمناقشة الملف العراقي والحرب ضد الإرهاب.

وأشار الرئيس إلى أن نيتز الذي كان مستشارا لستة رؤساء في قضايا الأمن القومي، وأن عمل نيتز كان أساسيا في الإقناع . وقال بوش: «البعض كان يريد التخلص من التهديد السوفيتي»، من خلال اعتبار الحرب الباردة «حربا حقيقية» يجب الانتصار فيها عن طريق بناء قوات تقليدية والحفاظ على خزانة الأسلحة النووية.

وكان هذا إشارة واضحة في رفض بوش للنصيحة التي برزت من خلال النقاش الطويل كي يبدل تسمية «الحرب ضد الإرهاب على مستوى العالم»، كي يعطيها صياغة شاملة مثل النضال ضد التطرف العنيف. ويبدو أن الرئيس مقتنع بأن عليه أيضا التغلب على الشكوك حول كون الأميركيين يخوضون «حربا حقيقية»، وأمر بعدم تغيير هذه التسمية، حسبما أشار مساعدوه.

وبالانتهاء من وضع الإضافات للمرسوم الرئاسي بخصوص الأمن القومي رقم 46، وغيرها من المخططات، بحيث تعكس الاحتياجات لهذا الشكل الجديد من الحرب، فسيظهر أن كل أعضاء حكومته ينظرون إليها بهذا الشكل.

وكل ذلك بحسب راي   جيم هوغلاند في المصدر المذكور .

المصدر : الشرق الاوسط - خدمة «مجموعة واشنطن بوست» ـ خاص بـ«الشرق الأوسط» - 20-4-2006