مقالات و محاضرات

 

      مجلس السلم والأمن العربي:

                                                   خيبة الأمل!

 

د. وحيد عبد المجيد

 

لنفترض أن الانسداد السياسي في بلد عربي أو آخر، دفع قطاعاً من الجمهور للانضمام إلى تمرد دعت إليه المعارضة، وتصاعدت الأزمة بسرعة في هذا البلد. هذا افتراض نظري حتى الآن، ولكنه لم يعد مستبعداً ما لم يحدث إصلاح جاد في بلاد طال انتظارها لهذا الإصلاح.

وإذا حدث ذلك، سيكون سيناريو الأحداث التالية متوقفاً على الوضع الدولي، وتحديداً على مواقف واتجاهات الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تجاه نظام الحكم الذي وقع التمرد ضده من ناحية، وعلى طبيعة القوى التي تقود هذا التمرد أو تحركه من ناحية أخرى.

وفي كل الأحوال، ما أن تنشب مثل هذه الأزمة حتى يتم تدويلها، بل سيكون التدويل ملازماً لها عشية اندلاعها لأنها لا تحدث فجأة ولا تأتي من فراغ. ومن نافلة القول إن أزمة من هذا النوع في بلد عربي لابد أن تؤثر في بلاد أخرى بأشكال مباشرة أو غير مباشرة. وهذا فضلاً عن تأثيرها العام على المنطقة برمتها، وهو تدويل عملية التغيير والإصلاح السياسي التي نجح النظام العربي الرسمي حتى الآن، في وضع سقف منخفض للدور الدولي فيها.

هذا السقف سيرتفع كثيراً فور نشوب أزمة داخلية مستحكمة بشأن الإصلاح السياسي في أي بلد عربي، خصوصاً إذا انطوت على تمرد ضد نظام الحكم ونزول متظاهرين إلى الشارع بعشرات الآلاف، وليس بعشرات الآحاد. وربما لا يبقى هناك سقف أصلاً للتدخل الدولي، خصوصاً في غياب أي دور عربي، بل وعدم وجود أي اهتمام أو تفكير في هذا الدور، ولا في هذا النوع من الأزمات. ولذلك لم يتطرق النظام الأساسي لمجلس السلم والأمن العربي، الذي وافقت عليه القمة العربية الأخيرة في الخرطوم، إلى الأزمات الداخلية، بالرغم من أن المهمة الأولى من بين عشر مهمات نصت عليها المادة السادسة في هذا النظام، هي إعداد استراتيجيات للحفاظ على السلم والأمن العربي.

فقد انطلق هذا النظام من مفهوم ضيق للسلم والأمن العربي، يحصر التهديدات التي تمثل خطراً عليه في النزاعات بين الدول. فما زال القائمون على العمل العربي المشترك يعيشون بذهنية عصر تأسيس جامعة الدول العربية وإعداد ميثاقها.

ولذلك جاء النظام الأساسي لمجلس السلم والأمن مخيباً لأمل من طالبوا منذ سنوات، بهيئة جديدة للوقاية من الأزمات التي تهدد أمن وسلام الدول والشعوب العربية، وتسعى إلى معالجة هذه الأزمات عند نشوبها.

ولم يعد ممكناً في هذا العصر تصور عمل جاد في هذا المجال لا يعنى بالأزمات الداخلية، خصوصاً أنها مرشحة للتصاعد في بعض البلاد التي أصابها الجمود السياسي بأمراض خطيرة وتراكم الاحتقان تحت السطح فيها على مدى ما بين عقدين وثلاثة عقود من الزمن.

غير أن السؤال الذي قد يثار هنا هو: وهل يمكن تصور دور عربي فاعل في معالجة أزمات داخلية من هذا النوع؟ السؤال منطقي، لأن الفاعلية لم تعد من شيم العمل العربي المشترك على أي صعيد، ولكن إذا كانت الفاعلية مشكوكاً فيها على صعيد معالجة الأزمات الداخلية، فهي كذلك أيضاً على مستوى التعامل مع الأزمات البينية والنزاعات بين الدول العربية.

وما دام هناك تطلع إلى دور عربي تجاه هذه النزاعات، فلماذا لا نتطلع أيضاً إلى مثل هذا الدور إزاء الأزمات الداخلية التي ستكون أكثر خطراً وأشد تهديداً للاستقرار في العالم العربي خلال الفترة المقبلة، فقد ولى تقريباً عصر النزاعات العربية- العربية الطاحنة التي قادت إلى اغتصاب دولة لأخرى في حدها الأقصى وإلى حشد القوات على الحدود في حدها الأدنى. وإذا كانت الأزمة السورية- اللبنانية هي الأخطر على الإطلاق الآن، فهي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالأزمة الداخلية في لبنان التي تبدو هي الحاكمة في العلاقة بين الأزمتين وليس العكس.

وهذا يفسر الأمل الذي أثاره تفاهم القوى اللبنانية المختلفة على إجراء حوار وطني للمرة الأولى دون رعاية خارجية، بغض النظر عن نتائجه. فالوصول إلى توافق وطني لبناني يفيد في معالجة الأزمة السورية- اللبنانية بأكثر مما يمكن أن يؤثر به حل هذه الأزمة على صعيد تطبيع الوضع الداخلي في لبنان.

وهكذا لم يعد ممكناً الحديث عن عمل مشترك على صعيد السلم والأمن العربي، بدون التطرق إلى الأزمات الداخلية في عصر لا تكاد أزمة من هذا النوع تحدث فيه إلا وتفتح الباب أمام تدخل دولي. ولذلك لا يستقيم التطلع إلى دعم السلم والأمن العربي مع إغفال الأزمات الداخلية التي ستكون هي مصدر التهديد الأول من الآن فصاعداً. ولو لم تكن للأزمات الداخلية هذه الأهمية، لما أعطت مصر أولوية قصوى لتجسير الفجوة بين الفصائل الفلسطينية عبر جهد متواصل لم ينقطع يوماً منذ عام 2003، بالتنسيق مع دول عربية أخرى. ولولا هذا التدخل في الأزمة الداخلية الفلسطينية، لما أمكن إجراء انتخابات فلسطينية ديمقراطية وانتقال السلطة من حركة "فتح" إلى حركة "حماس" في ظروف بالغة الصعوبة وتحت الاحتلال.

وهذه خبرة حديثة تؤكد أهمية إيجاد آليات لدور عربي في معالجة الأزمات الداخلية المختلفة في الفترة المقبلة، والتي سيكون أخطرها على الإطلاق بين نظم الحكم والمعارضة حوار وطني جاد وقنوات اتصال وجسور للتفاهم.

وحتى عندما تتوفر فرصة لحوار داخلي في بلد أو آخر، فقليلاً ما يسفر عن نتائج كبيرة بسبب ضعف تقاليد الحوار ومحدودية ثقافته. ولذلك تكون الحاجة ماسة إلى وسيط أو مسهل للحوار يسعى إلى إطلاقه ويعمل لضمان استمراره واحتواء المشكلات التي تظهر فيه وتهدد بوقفه.

ومن أهم وظائف الطرف الثالث في مثل هذه الحالات أن يقترح حلولاً وسطاً أو يسعى إلى إقناع الطرفين، أو الأطراف المختلفة بمثل هذا الحل. فقد يكون صعباً على نظام حكم أن يقدم تنازلاً إلى المعارضة أو بعض أطرافها بشكل مباشر في ظل ثقافة شمولية سائدة تخلط بين السياسة والكرامة وبين التنازل عن موقف سياسي والإهانة الشخصية. وفي مثل هذه الحالات تزداد أهمية الطرف الثالث، خصوصاً إذا كان عربياً، وبصفة أخص إذا جاء دوره في إطار ترتيب متفق عليه في إطار العمل العربي المشترك من نوع مجلس السلم والأمن العربي.

ولهذا كله، فقد أضعنا فرصة جديدة، كما هو دأبنا، عندما أغفل النظام الأساسي لهذا المجلس الأزمات الداخلية. كما أن السياق العام لهذا النظام لا يساعد على تطويع بعض نصوصه أو التحايل عليها للتعامل مع أزمات داخلية، عندما يتبين مدى الخطر الذي تحمله على السلم والأمن العربي. ومن النصوص التي يمكن تطويعها ما ورد ضمن أهداف المجلس بشأن (متابعة ودراسة وتقديم توصيات إلى مجلس الجامعة حول التطورات التي تمس الأمن القومي العربي). ولكن السياق العام كان محكوماً بمفهوم النزاعات بين الدول وليس في داخل الدول. كما أن استخدام مفهوم "الأمن القومي العربي" المرتبك والمربك يزيد الأمر تعقيداً.

لقد انتظر العرب طويلاً هيئة لمعالجة النزاعات والأزمات، وسيطول انتظارهم إلى حين تصديق سبع دول أعضاء في الجامعة العربية، على النظام الأساسي لمجلس السلم والأمن العربي لتوفير النصاب اللازم لبدء العمل به. ولكنهم سيكتشفون، بعد طول الانتظار، أن هذا المجلس غير معني بأزمات هي الأكثر تهديداً والأشد خطراً!

وكل ذلك بحسب راي د. وحيد عبد المجيد في المصدر المذكور .

المصدر : الاتحاد الاماراتيه – 20-4-2006