مقالات و محاضرات

 

 

الخيار العسكري ضد إيران... هل يسفر عن نتائج عكسية؟

 

سيث جي. جونز

 

أدت التقارير الإخبارية الأخيرة التي تفيد بأن الولايات المتحدة تبحث حالياً إمكانية توجيه ضربة عسكرية للمنشآت النووية الإيرانية إلى مضاعفة إيران جهودها لتطوير برنامج نووي. والحال أن هجوما أميركيا على إيران من شأنه أن يُفقد المنطقة استقرارها ويسفر عن نتائج عكسية بالنسبة للحرب التي تشنها الولايات المتحدة على الإرهاب.

لقد أعلنت إيران أنها لن تتراجع عن رغبتها في الحصول على التكنولوجيا النووية، كما دفع الإعلان الإيراني الجانبين لإجراء اختبارات عسكرية، حيث جربت إيران عدة أنواع من الصواريخ في استعراض واضح للقوة، أما الولايات المتحدة فتستعد لاختبار قنبلة تزن 700 طن، صُممت لاختراق الغرف المحصنة تحت الأرض، على غرار تلك التي تحتضن المنشآت النووية الإيرانية. وقد أقر بعض المسؤولين الأميركيين والإسرائيليين بشكل غير رسمي أن الخيار العسكري قد لا يكون ثمة مناص منه للأسباب التالية:

- الجهود الدبلوماسية الألمانية والبريطانية والفرنسية فشلت حتى الآن في إقناع إيران بضرورة التخلي عن برنامجها النووي. وإيران تتقدم في برنامج تخصيب اليورانيوم، وقد أنشأت مرافق لصناعة أجهزة الطرد المركزي واختبارها، ومنشأة تخصيب نموذجية صُممت لـ1000 جهاز طرد مركزي، ومنشأة تحت أرضية ينتظر أن تصل طاقتها الاستيعابية إلى 50000 جهاز طرد مركزي.

- التأخير سيجعل من القيام بضربة ناجحة ضد منشآت إيران النووية عملية صعبة وعصية، علما بأن المنشآت النووية في ناتانز دفنت تحت أزيد من 15 مترا من الإسمنت المسلح والتراب. وثمة ما يدل على أن نفس تدابير التحصين اعتمدت في منشآت أخرى.

- بإمكان الولايات المتحدة وإيران الحد من تأثير أي رد انتقامي إيراني، فإيران قد ترد بالقوة العسكرية بشكل مباشر أو غير مباشر عبر منظمات موالية لها مثل "حزب الله" اللبناني، كما أن إيران قد تحاول أيضا إغلاق مضيق هرمز حتى ترتفع أسعار النفط. إلا أن إسرائيل والولايات المتحدة قد تردان بطريقة تقليدية أو غير تقليدية على هجوم ينفذه حزب الله أو منظمات أخرى موالية لإيران. وإضافة إلى ذلك، تستطيع الولايات المتحدة نشر ما يكفي من الوحدات العسكرية لمنع وصد أي محاولة للسيطرة على مضيق هرمز.

وفي ضوء الأسباب سالفة الذكر، بلورت الولايات المتحدة مخططات تقضي بتوجيه ضربات عسكرية محدودة للمنشآت النووية الإيرانية. ويمكن للهجوم المحتمل أن يتخذ ثلاثة أشكال على الأقل: ضربات جوية انطلاقاً من مقاتلات أميركية أو إسرائيلية، أو هجوم بصواريخ أرض- أرض، أو هجوم بالصواريخ انطلاقاً من السفن أو الغواصات في البحر الأبيض المتوسط أو بحر العرب.

بيد أن الأصوات المنادية بتوجيه ضربة عسكرية إلى إيران لا تستند إلى أساس قوي في ظل عدم وجود ضمانات على نجاحها، ذلك أن مسؤولي عدة وكالات استخبارات غربية أقروا أنهم لا يعرفون مكان جميع المنشآت النووية في إيران. كما أن الأهداف الإيرانية لا توجد بمكان واحد كما كان عليه الحال بالنسبة للعراق سنة 1981 عندما تعرض مفاعله النووي لهجوم إسرائيلي، فهي اليوم موزعة على أرجاء إيران ومحمية ومحصنة.

والحق أن الضغوط الدبلوماسية والعقوبات الاقتصادية قد تدفع مع ذلك إيران إلى الموافقة على التخلي بشكل نهائي عن حقها في تخصيب اليورانيوم مقابل تزويد مضمون من مصدر خارجي مثل روسيا. وإلى ذلك، ثمة بديل ممكن آخر يتمثل في خيار التخصيب المحدود، حيث يمكن للمجتمع الدولي أن يوافق صراحة على أن تنتج إيران الطاقة النووية السلمية. وبالمقابل، توافق إيران على تأخير البدء في برنامج التخصيب، وشروط تحد من حجمه ونطاقه، ونظام تفتيش صارم.

وعلاوة على ذلك، فإن كلفة هجوم أميركي محتمل ستكون باهظة جداً، وهي لن تكون كذلك نتيجة لرد عسكري أو اقتصادي إيراني، وإنما نتيجة تدهور العلاقات الأميركية مع البلدان الإسلامية، مما سيؤثر بشدة على حرب الولايات المتحدة العالمية على الإرهاب. فردود الفعل على الرسوم الكاريكاتورية للرسول محمد عليه الصلاة والسلام أبرزت بجلاء مدى قابلية انفجار المشاعر المعادية للغرب والولايات المتحدة في أوساط المسلمين في الشرق الأوسط وآسيا وشمال إفريقيا. ولذلك من شأن الهجوم على إيران إتاحة فرصة أخرى لتأجيج هذه المشاعر.

والواقع أن المشاعر المعادية للولايات المتحدة منتشرة أصلاً في العالم العربي، وذلك وفق استطلاع للرأي أجرته مؤسسة زغبي الدولية. ففي مصر والسعودية، اللتين تعتبران حليفين كبيرين للولايات المتحدة في المنطقة، يحمل 85 في المئة و89 في المئة من السكان على التوالي نظرة سلبية عن الولايات المتحدة.

مما لا شك فيه أن سلوك إيران على مستوى السياسة الخارجية والبرنامج النووي يشكل مصدر ازعاج حقيقيا، غير أن هجوما استباقياً ضد إيران اليوم لن يخدم قطعا المصالح السياسية والاستراتيجية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط. فكما قال وزير الدفاع دونالد رامسفيلد مؤخراً، فإن الولايات المتحدة لم تُبل بلاء حسنا في جهودها الرامية للتصدي للتأييد الإيديولوجي للإرهاب. وعليه، فإذا كانت أميركا جادة فعلا في التصدي لهذا التأييد والفوز بالعقول والأفئدة في الشرق الأوسط، فعليها اتباع سياسات تكسبها التأييد بدلا من المزيد من العداء في المنطقة.

*سيث جي. جونز :خبير في العلوم السياسية بمؤسسة "راند" وأستاذ زائر في برنامج الدراسات الأمنية بجامعة جورج تاون الأميركية

و كل ذلك بحسب راي سيث جي. جونز في المصدر المذكور .

المصدر : ICAWS-20-4-2006 - ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"