مقالات و محاضرات

 

 

عرب وعجم

 

د.محمد الرميحي

 

موضوع التسليح النووي الإيراني وصراع الدولة الإيرانية مع العالم ملف ، والعلاقات العربية مع جمهورية إيران الإسلامية ملف آخر، والحديث عن السنة والشيعة ملف ثالث مختلف تماما عن الاثنين السابقين.

وأي خلط بين الملفات الثلاثة، خاصة من الجانب العربي، هو جهل أو تجاهل ان حسنت النوايا، أو هو عمل مدبر يراد به تأجيج المنطقة وكأنها تحتاج إلى «مفجر» آخر على كثرة الألغام المحيطة بها، والإصرار على تغطية الصراع السياسي بصراع مذهبي، عدا كونه مخاطرة، لا يقدم عليها إلا من في قلبه مرض.

التعميم أولا في كل شيء خطأ، فليس هناك نظرية، حتى في العلم الحديث، تؤيد التعميم المطلق، أما إطلاق التصورات دون أن تكون مبنية على حقائق أو على أسباب تحملها .

 فهو أمر مضر في حده الأدنى وخطير النتائج أن تعلق بالبشر، خاصة إن كان ذلك له علاقة بإشاعة الكراهية بين المواطنين، ووضعهم في قفص اتهام دون وجه حق.

في الملف الأول «احتمال تسلح إيران بأسلحة نووية» يقف العرب دون قدرة عملية لا على إقناع إيران باتخاذ مسار آخر، ولا على إقناع القوى الدولية للنظر في الموضوع بغير ما تقرر هي ومؤسساتها، عدا أن العرب ليسوا على قلب واحد في هذا الملف الخطير.

 فمنهم من يرى من حيث المبدأ أو من حيث تعزيز التوازن في القدرات العسكرية مع إسرائيل، أن مثل هذا العمل «الحصول على المقدرة النووية» قد يعضد الموقف العربي المقاوم لكل الأطروحات المعروضة.

 وهي قليلة، من إسرائيل. إلا أن من يعرف منهم حجم قدرته على التأثير في هذا الملف، ولو كان راغبا في الحصول على توازن ما، يعرف انه محدود الإمكانيات والوسائل .

ممثل حماس خالد مشعل في محاضرة له في طهران في زيارته قبل الأخيرة سئل عن مدى إمكانية المساعدة الفلسطينية لو تعرضت منشآت إيران النووية لاعتداء إسرائيلي «وهو احد السيناريوهات المطروحة» فأجاب أن فلسطين بلد صغير لا تستطيع أن تقوم بالشيء الكثير في هذا الموضوع!

وقبلها بعد أن هدد قبل أشهر محمود نجاد بضرب إسرائيل، جاء تصريح من احد المسؤولين الفلسطينيين وقتها، بأن على إيران أن تساعد في «بناء فلسطين، قبل أن تفكر في «خراب إسرائيل» على الرغم من تواضع الإجابتين وربما قربهما إلى الحقائق على الأرض، إلا أن المهم هنا الإشارة إلى التصريحين السابق واللاحق الذين أدلى بهما ممثلان فلسطينيان، شاعا بسرعة عن طريق الرسائل التلفونية النقالة في طهران وبين الإيرانيين المتشككين أصلا في أن ترفد العلاقة العربية ـ الإيرانية بمصادر قوة للأخيرة.

وهو دليل مادي على أن البعض في إيران يعرف خطورة المبالغة في «العون العربي» خارج التعاطف اللفظي! كما يعرف هذا البعض خطورة المبالغة في «القوة الإيرانية» التي تروج بدورها لثقافة الخوف في الغرب.

وكلما زادت إشاعة الربط بين «القدرة النووية لإيران» و«القبلة الثانية» القدس، تزيد المتاجرة بالمخاوف الغربية. في الوقت الذي يعلم أي عاقل استحالة مثل ذلك الاستخدام عملا، حيث تجاور «القدس» دمشق وبيروت وعمان!

في الملف الثاني وهو العلاقة العربية الإيرانية، هناك موقفان أيضا احدهما يرى أن التعاون اللصيق مع إيران يعطي مناعة للمواقف العربية المضادة للتدخل الغربي في المنطقة.

والتي تفقد قدرتها الذاتية على الممانعة بسبب تفشي القمع، وآخرون يرون أن التدخل الواسع لإيران «الدولة» في المنطقة يسبب ضيقا وحرجا، بل يضيف إلى التصدع العربي المشهود عوامل تزيد من تصدعه.

عاملان يزيدان التخوف و الحذر، الأول القرب الجغرافي، والثاني المقولات السياسية الإيرانية، فإيران دولة كبيرة مطلة على الخليج الذي يتوزع في دول صغيرة ومتوسطة، ولا قدرة لها، حتى جماعيا، الوقوف أمام طموحات إيرانية إن قررت الأخيرة أن تنشط هذه الطموحات لسبب أو لآخر وباتجاه هدف أو آخر. 

إلا أن هذين الملفين يمكن أن يقودا إلى تصور لأسوأ سيناريو لهما، إذا أضيف ملف موضوع «السنة والشيعة» هذا الملف ليس له علاقة لا بالملف النووي ولا بملف العلاقة مع إيران، هو تغطية واستخدام لا أكثر.

والخلط للعامة في هذا الملف جائز وبسيط، فهناك لمن يعرف أن الشيعة في الغالب يتبعون مقلدا حيا في شؤون فتواهم الروحية ، وقد يكون هذا المقلد في الإحساء أو في البحرين أو النجف.

أو في قم أو في لبنان أو في غيرها من الأماكن التي يتواجد فيها الشيعة، إلا أن هذا ليس له علاقة البتة بالهوى السياسي لهذه الفئة أو تلك، والشيعة مثل السنة مثل غيرهما من الطوائف الإسلامية لأفرادها هويات سياسية مختلفة.

بل وقد تكون متناقضة، ووضعهم جميعا في سلة واحدة، عدا كونه غير موضوعي، هو تطرف مذموم يؤدي إلى اضطراب في علاقات المواطنة تستفيد منه فقط قوى الترصد، ويهيئ الأرض لقيم الكراهية الأهلية.

المواطنة شيء والعلاقة الروحية شيء آخر، فليس موافقا للعقل أن قلنا أن الكاثوليك العرب يتبعون «سياسيا» مركز البابوية في روما، تلك مناكفة قد تنطلي على البعض من العامة، وبالقياس ليس من الحكمة ولا من الواقع القول أن «جميع» الشيعة العرب يتبعون إيران سياسيا، لعدد من الأسباب.

فان كانت إيران ترفع شعار تحرير فلسطين ومناصرة الفلسطينيين، فهو شعار تهوى إليه أفئدة كثير من العرب، بصرف النظر عن هويتهم المذهبية، مثلهم مع الفارق الكبير، مثل «حزام الإيمان» في الولايات المتحدة الذي يعتقد أن إسرائيل، هي ما ذكر في التوراة!

إلا أن السؤال الأهم ترى من يستفيد من هذا الخلط الذي بدا وكأنه كرة ثلج في وسائل إعلامنا، لا جدال في أن المستفيد هم قوى التمزيق للنسيج الاجتماعي.

وكأًن قدرنا هو أن ننشغل في بعضنا أكثر مما ننشغل في فكرة بناء الأوطان. المواطنة هي فكرة أصيلة وحضارية، تحوطها الدول بعناية كبيرة وتؤكد على التعايش المشترك بين الفئات المختلفة من أبناء الوطن.

وفي التاريخ الحديث للشعوب لم تنجح بلاد استجابت لعواطف بدائية في التفرقة بين مواطنيها، وكذلك باءت بالفشل أية فئة تستنصر على أبناء وطنها بقوى خارجية ، تلك حقيقة تماثلها أيضا حقيقة أن تهميش أو إلقاء شريحة من المواطنين من الأجندة الوطنية.

إقامة علاقات سلام مع المختلف في الوطن الواحد، وإعلاء تطبيق القانون على الجميع هو الطريق لإقامة وطن قوى ومجتمع صحي، أما دغدغة «العواطف الدنيا» من المذهبية والطائفية، فهي الطريق للتحول من كراهية أهلية إلى حرب أهلية والعياذ بالله.

 *كاتب كويتي

وكل ذلك بحسب رأي محمد الميحي في المصدر المذكور.

المصدر: البيان الإماراتية-18-4-2006