مقالات و محاضرات

 

 

إدارة بوش وخطر الاستخفاف بمعاهدة "حظر الانتشار" 

 

هيلينا كوبان

 

مازالت فصول المواجهة بين واشنطن وطهران حول الملف النووي الإيراني تُلقي بظلال كثيفة من الشك والريبة على المجتمع الدولي في ظل التقارير الأخيرة التي أفادت أن مسؤولين عسكريين أميركيين يخططون لشن هجمات على مواقع إيرانية. ورغم نفي الرئيس بوش لما أوردته التقارير واعتباره ذلك مجرد "تكهنات بعيدة عن الواقع"، فضلا عن تأكيده على الطرق الدبلوماسية لمعالجة المخاوف بشأن إيران، فإن العقيدة العسكرية لإدارته القائمة على "الضربات الوقائية" لمنع أية تطورات تؤدي إلى امتلاك إيران للسلاح النووي، مازالت قائمة ولم تتغير. كما أن المسؤولين الأميركيين مازالوا يصرون على ترك كافة الخيارات مطروحة أمام الولايات المتحدة، بما في ذلك الخيار العسكري. لكن في الوقت الذي يبدي فيه الرئيس بوش انزعاجه من جنوح طهران إلى التصعيد بشأن ملفها النووي، نجده يحث الكونجرس على تبني إجراءات تنتهك بشكل سافر معاهدة عدم الانتشار النووي من خلال مطالبته للمشرعين الأميركيين بإجراء تعديلات ستمكن الولايات المتحدة من تصدير التكنولوجيا النووية الأميركية إلى الهند. ومعلوم أن الهند دولة خارج معاهدة عدم الانتشار النووي، وقامت علنا بإجراء اختبارات على مجموعة من الأسلحة النووية.

فهل تعاني الإدارة الأميركية من انفصام في الشخصية عندما يتعلق الأمر بمعاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية؟ فهي من جهة تنتقد إيران لعدم التزامها بالمعاهدة، لكنها تعمل على إضعاف المعاهدة نفسها من خلال مبادرتها المطروحة أمام الكونجرس. والواقع أن إدارة الرئيس بوش لا تعاني من أي انفصام في الشخصية، بل هي منسجمة تماماً مع سياساتها المعلنة. فليس خافياً أن بوش وأعوانه يكنون كراهية كبيرة لمعاهدة حظر الانتشار النووي بقدرما يكنون الكراهية ذاتها لباقي المعاهدات والاتفاقيات الدولية التي يرون أنها تعرقل حركة أميركا على الساحة الدولية مثل اتفاقية "كيوتو" حول الحد من انبعاث غاز ثاني أكسيد الكربون، أو معاهدة روما الخاصة بالمصادقة على المحكمة الدولية لجرائم الحرب. بيد أن الولايات المتحدة التي لم تصادق قط على تلك الاتفاقات كانت من أشد المؤيدين -حتى هذه اللحظة على الأقل- لمعاهدة عدم الانتشار النووي وأكثر أعضائها حماسة.

ورغم عدم مطالبة بوش والمسؤولين في إدارته بانسحاب الولايات المتحدة من المعاهدة، إلا أن التعديلات المرجو إدخالها على التشريعات الأميركية في مجال تصدير التكنولوجيا والمواد النووية الأميركية إلى الهند من شأنها، إذا ما صودق عليها من قبل الكونجرس، أن تحدث أزمة حقيقية في العلاقات بين واشنطن وباقي الدول الموقعة على معاهدة عدم الانتشار النووي، وهي دول تشمل جميع بلدان العالم باستثناء الهند وباكستان وإسرائيل وكوريا الشمالية التي تمتلك أسلحة نووية لكنها تظل خارج المراقبة الدولية. وبينما ينصب التفكير حاليا من قبل المشرعين الأميركيين وعموم المواطنين على التغييرات التي يدعو بوش إلى إدخالها على قوانين حظر الانتشار النووي التي يرجع عمرها إلى خمسين سنة، علينا من جانبنا أن نخضع المعاهدة العالمية لتقييم دقيق لفهم أهميتها في عالمنا المعاصر. وبداية علينا أن نجيب على الأسئلة التي ما فتئت تطرحها الإدارة الأميركية من قبيل هل أصبحت القوانين المرتبطة بمنع الانتشار النووي متقادمة وعديمة جدوى؟ أم هل إنها مازالت توفر مقاربة فعالة في التعامل مع تلك النوعية من القضايا التي تطرحها إيران حالياً؟

شخصيا أعتقد أن معاهدة عدم الانتشار النووي مازالت تحافظ على راهنيتها، ومازالت تكتسي أهمية خاصة. فالوكالة الدولية للطاقة الذرية تستطيع إجراء مراقبة ميدانية للمنشآت النووية في البلدان الموقعة على المعاهدة، بالإضافة إلى إجراءات تفتيشية أخرى بالنسبة للدول المشتبه فيها فقط لأن معاهدة عدم الانتشار النووي تسمح لها بذلك. لكن هل تشكل الإجراءات التفتيشية التي تسمح بها المعاهدة دليلاً قاطعاً على جدوها؟ كلا، فقد تمكنت العديد من الدول الموقعة على المعاهدة ومن ضمنها كوريا الشمالية وإيران من إطلاق برامج نووية سرية استغرقت من الوكالة الدولية للطاقة النووية سنوات طويلة قبل اكتشافها. ومع ذلك توفر الوكالة الدولية معلومات أساسية تحظى بالمصداقية حول البرامج النووية للدول المشتبه فيها، في وقت تندر فيه معلومات غير مضللة، أو بعيدة عن التوظيف السياسي. وفي هذا السياق نجحت الوكالة الدولية للطاقة الذرية في كشف النقاب عن البرنامج السري لكوريا الشمالية ما حدا بها إلى الانسحاب من معاهدة عدم الانتشار النووي. أما إيران التي تزعم أن أنشطتها النووية موجهة لأغراض سلمية، فهي مازالت خاضعة لمراقبة الوكالة الدولية التي يقوم موظفوها بتفتيش العديد من منشآتها.

والأهم من إجراءات المراقبة والتفتيش التي تتم تحت مظلة معاهدة عدم الانتشار النووي توفر هذه الأخيرة أيضا مناخ التعاون الدولي وعقلية احترام الاتفاقات الدولية. فبالرجوع إلى تاريخ بدء العمل بالمعاهدة خلال ستينيات القرن المنصرم نجد أنها نجحت في تأسيس التعاون المشترك بين تلك الدول لمنع بيع التكنولوجيا النووية أو المواد المساعدة على تصنيع سلاح الدمار الشامل إلى باقي دول العالم التي لا تمتلك ذلك السلاح، وفي الوقت نفسه سمحت لها بمواصلة الأنشطة النووية لأهداف سلمية. واليوم بعدما أظهرت الحرب في العراق الدمار الذي يمكن أن تلحقه السياسات الأميركية الأحادية، والاستعمال الهائل للقوة العسكرية، تبقى معاهدة عدم الانتشار النووي الضمان الوحيد لتعزيز التعاون الدولي في وجه الأخطار المرتبطة بأسلحة الدمار الشامل بعيداً عن استعمال القوة، أو اللجوء إلى السياسات الأحادية. 

و كل ذلك بحسب راي  هيلينا كوبان في المصدر المذكور .

المصدر : الاتحاد الاماراتيه - ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"– 18-4-2006