مقالات و محاضرات

 

 

أما آن لهذا الخداع أن ينجلي..؟

 

ثريا الشهري

 

الاخبار نقلت لنا ان محامية سعودية قد تطوعت للانضمام الى فريق الدفاع عن صدام حسين! وهنا أتذكر مشهد الجريمة الصدامية قبل عقد ونصف.

غزو صدام للكويت، محاولات تبذل لخروجه منها لا تأتي بنتيجة، قوات التحالف تجتمع فتجبر جنوده على مغادرة الكويت، لا يؤمن جانب صدام فتبقى بعض القوات لصد أي هجوم مباغت، فرصة بن لادن ومن معه في استغلال موقف وتسجيل اعتراض، ارتفاع موجة العداء ضد أمريكا، أحداث11 سبتمبر، انتفاض أمريكا لحماية مصالحها بداية بأفغانستان، غزو أمريكا للعراق بحجة جاهزة: أسلحة دمار شامل ونظام دكتاتوري يهدد السلام يجب تدميره، سوء التخطيط الأمريكي لسيناريو ما بعد الغزو وتفاقم الصراع، نشاط إيران في رعاية مصالحها هي الأخرى، اغتيال الحريري، زيادة حدة التوتر، أمريكا تتوعد سوريا وإيران، إيران تعلنها نووية.

بعد الاستعراض السريع لعناوين رئيسة نسأل:

من أشعل الشرارة الأولى في النار المحرقة منذ عام 1990؟

الجواب : إنه من انقلب على أخيه، ثم اتهمه بالخيانة لاستعانته بدرع أجنبي تكسرت عليه رماحه الصدّامية، فالظاهر أن المنظر من حيث وقف صدام في شرفته هيأ له جموع العرب، وقد احتشدت مهللة ومؤيدة، فجاءه موقفهم من تخطيطه على استغراب منه، ولا أدري كيف كان لرجل ضرره في نفسه وأهله أكبر من ضرر عداوته لغيره أن يحكم بلد العلم والحضارات طوال تلك السنين! أكيد أنها طبيعة السحل والتقتيل والنفي والإبادة، فما عساه يكون غير الخوف من جبروت حاكم وأعوان لا يعرفون حدوداً لشيطانهم، ليأتي يوم نشهد فيه من يزاحم للدفاع عمن لم يُبتل المسلمون في تاريخهم بشخص مثله يدين بدينهم ويفعل ما فعل، ثم ما الفارق بين فهم العامة للأمور وبين علم الخاصة ممن تخرجوا من أرقى الجامعات، إذا كانت النظرة لا تختلف! بين تصور وجداني لجمهور يحتفظ بقدر من التبسيط الساذج وقلة الوعي، وبين جماعة محامين تمرسوا نضجاً وعقلانية! فأصحاب الفريق الأول ينظرون إلى صدام في قفصه، فيقيسون كلامه وحركاته وسكناته بقلب يهوى تفسير ما يرى على محمل الشجاعة والصمود، ولا يقولون إن الرجل لم يعد لديه ما يخسره غير صمته، فلم لا يزايد في الضغط على أزرار الشتم والتذكير بقرآنه وصلاته! لم لا يستدعي معلوماته في الحقوق وقوانينها ويذهب بها إلى حيث يعجب المشاهدين فيستأثر بميلهم! لم لا يحيط نفسه بهالة القائد العربي الأسير، وهلم يا قوم لنجدتي! فيلتقي بتمثيله مع أهداف الفريق الثاني من المحامين، ممن التحقوا بجوقة ما استهوتهم لعبة الشهرة والمال، أو لنقل وفي أحسن الأحوال من انطلت عليهم مناورات الدهاء، فظنوا أنهم يحسنون عملاً بدفاعهم عن الرجل، ولنقرأ هنا رأي روبرت فيسك مراسل صحيفة «الاندبندنت» في بغداد، ومنذ البدايات: «محاكمة صدام ستكون بمثابة مسرحية تلهي الشعب والعالم، عما يحدث في الحياة اليومية للمواطن العراقي».

عاب القرآن الكريم على بني إسرائيل خوفهم من الموت، فقال إنهم أحرص الناس على «حياة» ولم يقل على الحياة، فاللوم يكون في الحرص على كل حياة وأي حياة، أما التمسك بـ«الحياة» فهو واجب رباني لا ريب فيه، فهل الدجيل، وحلبجة، وحرب الثماني سنوات ضد إيران، ثم المصالحة بعد استنزاف الأرواح، غير غزو الكويت وقمع الشيعة والأكراد وقتل العلماء والمقابر الجماعية، هل من استهان بحَيَوات جميع هؤلاء البشر، يستحق القلق على حياته أو امتداد عرقه! أم أن العرب قد ألفوا الطغيان بحكم العادة فحنوا إليه، وإن سقط الطاغي!

الإنسان لا ينبذ الذل والمهانة إلا بقوة مستمدة من الحياة، وبحرقة من ذاق الظلم واغتصبت كرامته، كما لا تضيع قيمة القانون إلا بكلمة تدليس ومرافعة بغير ضمير، أما إصدار الأحكام جزافاً فما أسهلها إن لم تكلفنا شيئاً، فما أهون أن نتابع صدام وجماعته فنطلب لهم الإنصاف، طالما أن شرهم لم يطأنا، فهل نحن بحاجة إلى المصيبة حتى نشعر بمن أصابته! ألا يكفي اشتراكنا في الإنسانية سبباً نفهم معه لوعة الملتاع! فصدام الذي استعبد الناس وأملى شروطه بلا رحمة أو مبالاة بعقاب، شاءت إرادة الله أن تبقيه حياً، كي يدفع الثمن الذي لا خيار بعده، إنه القانون الإلهي، الذي لا يحتاج معه إلى إظهار بينة، فما الغرابة في ذلك! ولم التدافع لتغير سنة الله في عباده الظالمين!

الإنسان الذي يكرّم لماله أو منصبه، لا يستحق التقدير إن لم يكن أهلاً له بغير مال أو جاه، فما بالك بالقائد! وإن كان لا بد من التشبيه مع الفارق، فترانا كنا نعرف حكامنا مثل معرفتنا بصورة حسناء قد تخدعنا بزينتها، ولكننا اليوم أحوج ما نكون إلى حبهم، مثل حب الزوجة التي نعرف عيوبها، فلا نجهل ما تبديه من زينة، ولا ما تخفيه من دونها، فما من أحد يحقق كل ما يريد وكل ما يُراد منه، وإنما يقاس النجاح بما يستطيعه المرء، وبما يستطاع فعلاً فيما لو اتسع الوقت والظروف والإمكانات، ولقد علمتني التجارب أن الذين أسخطهم لا يرضيهم عني شيء، وأن الذين أرضيهم لا يسخطهم عليّ شيء، فلا فائدة من اتقاء السخط أو اجتلاب الرضا، فمن يسخط إنما يرجع إلى معيار خلائقه التي لا تتغير، ومن يرضى إنما يعرفني من عملي الذي ينتظره مني، ومع هذا نقول إن الفضائل لا يختلف عليها إجماع، وكذا هي الأعمال التي تنشدها الشعوب من قوادها ومسؤوليها، فإذا عاد الأمر إلى حكامنا، فلست أحدّث القارئ بجديد، إن قلت إن المطلوب منهم لا يكون في اكتساب الشهرة أو حب الناس على استخفاف بالعقبات وتفخيم للقدرات، ولكن في جلاء الحقيقة على ثقة وصدق وتوفير لأسباب التقدم، وفي الختام، لا بأس من التمثيل فناً ولا عزوف عن التجارة عملاً، ولكن الضير كل الضير من التمثيل في الضمير والاتجار بالعاطفة وباسم القانون والسلطة، ففيه من الإنكار ما يعاب على المتاجرة بالأجسام والشهوات.

وكل ذلك بحسب رأي ثريا الشهري في المصدر المذكور.

المصدر: الشرق الوسط اللندنية-17-4-2006