العراق وعقدة تشكيل الحكومة

 

جابر حبيب جابر

 

رغم الضغوط الكبيرة التي وجهت من قبل الاطراف الاساسية في الشأن العراقي للاسراع في تشكيل الحكومة، إلا انه يبدو انها لم تفلح في ذلك الى الآن، برغم عوامل ومعطيات كثيرة تبدأ من ضغط الشارع العراقي الذي حشر بين سندان الموت ومطرقة غياب وانعدام الضروريات، الى المرجعية التي نفد صبرها وألحَّت على الاطراف بضرورة الاتفاق للخروج من ازمتهم، الى الامريكان والبريطانيين الذين لم يجدوا اكثر دلالة واهمية في التعبير عن انشغالهم بهذه المسألة من ان يرسلوا وزيري خارجيتهما معاً لدفع عملية التشكيل واخراجها من حالة الجمود، فيما تركوا مستشاريهم لمتابعة الامر بعدهم، حيث لا تخفي هاتان الدولتان قلقهما البالغ من ان هذه العرقلة ستنعكس داخلياً في تلك الدول، حيث بات المنجز الوحيد الذي ظلا يدافعان عنه في وجه جبال النقد اي منجز الديمقراطية، مهدداً، فضلاً عن انهم لا يقوون على المضي قدماً في الدفاع عن استمرار دعمهم للعراق، امام رأي عام في بلدانهم بات ييأس من جدوى إحداث تقدم فيه.

وفي ظل عجز اللجنة السياسية السباعية التي تقود الائتلاف عن ايجاد مخرج لازمة رئاسة الوزراء رغم بقائها في اجتماعات متواصلة، وقد اتخذت اخيراً بعد ضغط المرجعية خطوة عملية في الاتصال بالكتل السياسية والقوى المؤثرة للوقوف النهائي على موقفها من مرشح الائتلاف، ووصلت الى قناعات في ثبات الموقف من المرشح والذي لم تتردد الكتل والقوى في اعلانه عبر الاعلام، فالسبل تبدو مغلقة امام هذه الهيئة للخروج بحل بسبب من انقسام وجهات النظر فيها، بالشكل الذي يعطل اتفاقها على قرار، فما هي سبل الحل المتاحة؟

الخيار الأول وهو خيار الصمود اي الاصرار على مرشح الائتلاف والمراهنة على تغير مواقف او تراجع الطرف الدولي، وتفكيك تحالف الكتل الاخرى المعرقل للترشيح، مع ترك الزمن والمتغيرات تفعل فعلها.

الخيار الثاني هو الذهاب الى الهيئة العامة اي الكتلة البرلمانية للائتلاف، اذ ان نظامها الداخلي نص على ان القرارات المهمة والاستراتيجية يجب العودة بها الى الكتلة البرلمانية، وكذلك عند عدم قدرة الهيئة القيادية السباعية في الوصول الى حل، إلا ان هناك تخوفا من العودة اليها، اذ انها ستكون اطاراً اوسع لتداول الخلافات، ولكن ايضاً لا يمكن الاستمرار في تجاهل دورها او إبقاء الوضع في حالة الجمود، ولذا يمكن الذهاب اليها ولو بصيغة بحث البدائل والاتفاق على أحدها.

الخيار الثالث هو دفع المسألة الى البرلمان باعتباره صاحب الولاية والممثل للشعب، وان امر منح الثقة بالحكومة مناط به اولاً واخيراً. وهذا الخيار يجد تأييده كونه سيشرك الآخرين في الاختيار مما يحملهم لاحقاً مسؤولية دعمه ومعاونته، ويعجل بتشكيل حكومة وحدة وطنية، اذ سيكون اختيارها من قبل الجميع. وكذلك فإن هذه السابقة ستسمح للاطراف المتقابلة في اعطاء رأيها في الرئاسات الثلاث بغية الوصول الى الافضل، بجانب ان ذلك سيجنب الائتلاف التناقضات باعتبار ان سقوط اي مرشح سيكون بأيدي الكتل الاخرى في البرلمان لا بيد كتلته، في حين ان المرشح الذي سينجح سيحظى بأغلبية قوية يتسلح بها بدلاً من ان يأتي بأغلبية ضعيفة من داخل تكتله.

ويواصل الكاتب مقاله في فقرة اخرى :

اما دستورياً فقد نصت الفقرة الرابعة من المادة 76 من الدستور على أن يعرض رئيس مجلس الوزراء المكلف اسماء وزرائه والمنهاج الوزاري على مجلس النواب ويعد حائزاً ثقته عند الموافقة بالأغلبية المطلقة، وهذه المادة او غيرها في الدستور لا تمنع من ان تتفق الكتل اختصاراً للزمن ولعذابات الشعب العراقي، ولتجنب المزيد من الامهات الثكلى والايتام الذين تنتجهم كل يوم وبمتوالية مستمرة، من ان يتم التصويت على منح الثقة ابتداء على مرشح رئاسة الحكومة وهذا ما سيفتح له منطقياً طريق الثقة لحكومته لاحقاً، او العودة وجلب مرشح ثان في حالة فشل الاول، وهذ المسألة تظل اجرائية يستطيع ان يتفق عليها ويشترطها البرلمان الذي هو سيد نفسه طالما لا يخالف بذلك احكام الدستور.

استنتاجات :

اولاً، اثبتت بعض القوى الشيعية أنها لا تحسن الحكم بل يجيدون المعارضة والدليل انهم عندما لم يجدوا احداً ليعارضوه عملوا على تعويق انفسهم، وثانياً قدرتهم على التضحية بحليف استراتيجي لعشرات السنين وتجمعهم به المشتركات لمصلحة تحالفات قلقة بلا اسس، وثالثاً براعتهم في اعادة انتاج الاخطاء بأساليب محدثة فلم تكف اخطاء العشرينات لكي يعملوا اليوم على توجيه التحالفات بعيداً عنهم، ورابعاً اعجابهم بخيار «حماس» المناكِف للقوى الدولية. لكن عليهم ابتداء ان يفتحوا رقم حساب لتلقي التبرعات، وان يركنوا الى بيروقراطية وشلل الامم المتحدة وعلى قواتها في حفظ حدودهم من جوار اقليمي متعطش لتمدد النفوذ، والى وصفات البنك الدولي «القاتلة» لتنشيط اقتصادهم، وان يسهموا في بزوغ قطبية دولية جديدة تساعدهم بعد ذلك على التأهل اقليمياً ودولياً.

وكل ذلك بحسب رأي جابر حبيب جابر في المصدر المذكور.

المصدرك الشرق الوسط اللندنية-16-4-2006