في أن «التشريق» الإيراني أقوى من «التغريب» التركي

 

حازم صاغيّة 

 

في الظلّ المعتم لتناول المسألة الأميركيّة - الإيرانيّة، تكمن المسألة التركيّة، واستطراداً، التركيّة - الكرديّة.

ففي حال التوصّل الى تسويةٍ ما بين واشنطن وطهران حول العراق، بعد صدام حربي جزئيّ يتسبّب به التخصيب أو من دونه، ستُثار، من غير شك، قضيّة النفوذ والمصلحة التركيّين في شمال العراق. ذاك أن واحداً من الثوابت الجغرافيّة السياسيّة التي لازمت تلك المنطقة الحفاظُ على توازنٍ ما بين الدورين التركيّ والإيرانيّ تمدداً باتجاه العراق أو انفكاءً عنه.

والراهن أن الوجهة الاحتماليّة هذه تتلاقى مع وجهتين أخريين، ما يجعل المشكلة التي نحن في صددها أشدّ احتداماً.

ففي العراق، وعلى دبيب الحرب الأهليّة، قد ينجو بأنفسهم أكراد الشمال هم الذين يعيشون، منذ انشاء المنطقة الآمنة في 1992، في حالة شبه استقلاليّة. وقد تعزّز الوضع هذا بإقامتهم مؤسساتٍ سياسيّة منفصلةً كالبرلمان والحكومة الذاتيّة، فضلاً عن الأحزاب الخاصّة، لأسباب قديمة ومعروفة، بهم وحدهم. وإذ يضاف هذا الى ما يجري على صعيد البنية التحتيّة والتنمية الاقتصاديّة والترتيبات الأمنيّة، يغدو الشكل «الانفصالي» ذا مضامين لا يُستهان بجديّتها.

وربما ذهبت واشنطن في حال الانهيار العراقيّ الكامل، وإعادة رسم البلد مناطق نفوذٍ تناظر التراكيب الأهليّة في الداخل، الى أن كردستان العراقيّة هي «الحصّة» التي يمكنها الاكتفاء بها وربما تحويلها الى ذاك النموذج الذي توهّمت تحويل العراق كلّه إليه.

بيد أن هذا جميعاً يتعلّق الى حد بعيد بتركيّا، وبدرجة التماهي التي تقيمها، أو لا تقيمها، بين المصالح الأميركيّة ومصالحها. وهو أمر مُشكَل، بطبيعة الحال، تزيد في إشكاله الوجهة الثانية المرشّحة للتفاقم والمتّصلة بالعلاقة بين أنقرة وأكرادها. فقد كان لافتاً، ومن دون مقدّمات ظاهرة، أن ينفجر الوضع هناك هلى نحو لم يُعهد منذ 1994. ذاك أن اشتباكات عنيفة بين المسلّحين الأكراد وقوّات الأمن التركيّة تأدّى عنها مقتل عشرين في الجنوب الشرقيّ، ولكنْ ايضاً في اسطنبول نفسها.

والمعروف أن أنقرة، وبضغط متواصل من الاتحاد الأوروبيّ، كانت رفعت حال الطوارئ في المناطق الكرديّة، وباشرت تقديم تعويضات للأكراد ممن دمّر الجيش التركيّ قُراهم، كما أقرّت بعض حقوقهم الثقافيّة واللغويّة. وهذا، بالطبع، ليس كافياً، خصوصاً أن البؤس الاقتصاديّ الذي يحوّم فوق أكراد تركيّا، بطالةً واسعة وأجوراً منخفضة واستنكافاً عن الاستثمار، يجعل الغضب الكرديّ حدثاً متوقّعاً. إلا أن انتكاس المسار شيء آخر يختلف نوعاً وكمّاً. وبالمعنى هذا، يخشى بعض المراقبين أن تكون الاشتباكات الأخيرة، التي فجرّتها جنازة 14 عضواً من «حزب العمال الكردستاني»، بداية تدهور واسع النطاق، لا سيما وأن الحزب المذكور أنهى، قبل عامين، الهدنة من طرف واحد والتي صمدت ستّ سنوات متوالية.

فإذا ما انحدرت الأمور في الاتجاه هذا، وانتشرت مجدداً أجواء العسكرة والقمع فوق الجنوب الشرقيّ، تعرّضت الرغبة التركيّة في الانضمام الى الاتحاد الأوروبيّ الى مزيد من التهديد، وهي أصلاً رغبة تحفّ الشكوك بفرص نجاحها.

وقصارى القول إن احتمالات «التشريق» عبر إيران لا تزال أقوى بكثير من احتمالات «التغريب» عبر تركيّا. وهي تبقى، حتى لو انشقّ الائتلاف الشيعي العراقي، «آمنة» أكثر وسالكة أكثر.

فالاستبداد الصرف الذي يسم الدولة الإيرانيّة يرشّحها للتمدّد الامبراطوري على النحو الذي لا يصحّ في الطبيعة الحاليّة للدولة التركيّة. ذاك أن الأخيرة غدت اليوم خليطاً مرتبكاً ومتعثّراً من المستبدّ والديموقراطيّ والقوميّ والإسلاميّ فضلاً عن العسكريّ والمدنيّ. وفي أزمنة حسمٍ كتلك ينجح الحاسم أكثر مما ينجح الحائر.

وينكشف التعثّر التركيّ عند نقاط تماسّه مع القوى المعنيّة جميعاً ومع مسائلها كلّها، بل يتكشّف على هيئة انسداداتٍ تكاد تقارب الإستحالات. فإذ تتهدّد العلاقات بأوروبا بسبب الأكراد، عطفاً على المجزرة الأرمنيّة وباقي أجندة «حقوق الإنسان»، تستفزّ مواكبة السياسة الأميركيّة أكثريّة كاسحة من السكّان، ما يحيل الزعم الديموقراطيّ ادّعاءً محضاً. وفي المقابل، يستنفر الحلّ العادل للمشكلة الكرديّة في تركيّا قوس قزح يشمل العسكريّين والقوميّين وبعض الإسلاميّين أنفسهم، فيما يؤول التعاطي القمعيّ الى إضعاف أي دور تركيّ في كردستان العراق، خصوصاً إذا ما انفجر هناك النزاع الكرديّ – التركمانيّ، موازياً ذاك الكرديّ – العربيّ، حول كركوك.

وإذ تبدو السلطة الإيرانيّة موحّدة وراء خامنئي وأحمدي نجاد، فيما الأضواء تنأى عن «معارضين» كرفسنجاني وخاتمي، إلا في لحظات تطابُقهما مع النظام، تبدو السلطة التركيّة، وقد انكسرت الأحاديّة الكماليّة، أشبه بائتلافات تنعقد وتُصان يوماً بيوم، ما بين الإسلاميّين والجيش، ورئاسة الجمهورية والطرفين.

وهو وضع يقول إن ما أفشل الديموقراطيّة في العراق قد يُفشلها في أي جزء منه، على رغم حسن التدبرّ الذي أبداه ويُبديه الأكراد منذ اقتتالهم أواسط التسعينات. غير أنه يقول، كذلك، إن الكماليّة الموصوفة، عن حقّ، بفرض التحديث من فوق، تستحقّ شيئاً من إعادة النظر في طرق تقويمها والحكم على أساليبها.

فإذا صحّ أنها ذهبت بعيداً في قوميّتها الدمجيّة النافية التعدّد، لا سيّما في ما خصّ الأكراد، بقي أن عسكريّتها تبقى أفعل في منطقة يقترع سكّانها لأحمدي نجاد رئيساً.

وهي، من غير شك، خيارات ضيّقة ومثيرة للاكتئاب، إلا أنها تضعنا، وجهاً لوجه، أمام سؤال الأسئلة:

لماذا، وعلى مرمى حجر من الهند ذات التجربة الأخرى، لم يظهر تحديث واحد في منطقتنا إلا جاء على حساب الحريّة، فحين تستيقظ الحريّة ينهار التحديث ومعه ينهار الوطن أو ينشلّ ؟

 وهو سؤال يزداد طرحه في حال قيام مواجهة عسكريّة واسعة بين طهران وواشنطن، تطيح النظام الخمينيّ أو توهنه وتلغي، من ثم، الكثير من الفرضيّات أعلاه من دون أن تلغي السؤال نفسه!

*كاتب ومعلّق لبناني.

وكل ذلك بحسب راي حازم صاغيّة في المصدر المذكور .

المصدر : الحياة – 13-4-2006