المناورات الإيرانية استهدفت تخويف الخليج !

 

هدى الحسيني

 

 

في سياق المتابعات التي تجريها جريدة الشرق الأوسط للملف النووي الإيراني أوردت الصحيفة مقالاً لهدى الحسيني بعنوان المناورات الإيرانية استهدفت تخويف الخليج!. تفتتحها بالقول:

«الحرب النفسية» كما وصفها حميد رضا آصفي الناطق باسم وزارة الخارجية الايرانية ـ الدائرة بين واشنطن وطهران، حتى لو لم تتحول بعد الى حرب عسكرية حقيقية، بدأت تترك آثارها السلبية على منطقة الشرق الاوسط بحيث ان وقعها على الاوضاع صار اسوأ من اي حرب. فبسبب هذه الحرب النفسية توقف التفكير بالإصلاحات السياسية المطلوبة، وتوقف التوجه نحو الديموقراطية، وصار الشارع العربي تائهاً لا يعرف من اين سيتلقى الضربات الاقتصادية. وأصبحت القيادات العربية تبحث عن دور لها في ما يُخطط للمنطقة التي صار ابطالها: الولايات المتحدة، وايران وان كانت سوريا خطأً تعتقد انها ستشارك ايران في هذا الدور، وايضاً اسرائيل، مع عدم استبعاد حصول سباق تسلح نووي.

واذا كانت واشنطن تخوض حرباً نفسية ضد ايران بسبب برنامجها النووي، بالتسريبات الصحفية عن غارات جوية مكثّفة قد تتخللها «رشقات» محدودة بالسلاح النووي، فإن الحرب النفسية التي مارستها إيران بمناوراتها «النبي المقدس» من 31 آذار (مارس) حتى السادس من الشهر الجاري بالقرب من مضيق هرمز، كانت موجهة الى دول الخليج وبقية الدول العربية، لأن تلك المناورات لا تخيف الولايات المتحدة التي يقبع اسطولها الخامس بالمرصاد لكل التحركات العسكرية الإيرانية.

وعن اللعبة التي تخوضها إيران مع الولايات المتحدة و مدى خطورتها للطرفين و منطقة الخليج برمتها تقول الكاتبة:

ان الدولتين الآن وكأنهما في حلبة ملاكمة، كل واحدة تكيل اللكمات الى الأخرى، والاثنتان تلعبان لعبة خطيرة، وأي خطأ في لكمة ما من احدى الدولتين، سيلحق اضراراً في مصالحهما، والدولتان مستمرتان في الاقدام على خطوات صغيرة نحو المواجهة، فواشنطن تريد منع ايران او على الاقل تأخير حصولها على السلاح النووي، وطهران تختبر العزم الاميركي لاعتقادها بأن اي عمل عسكري ضدها مستبعد وان الولايات المتحدة في وضع ضعيف.

لكن عن مدى إحتمال توجيه الولايات المتحدة ضربة عسكرية لإيران تقول الحسيني:

لكن على إيران الا تنسى ان الرئيس الاميركي جورج دبليو بوش، قد يُضطر من اجل ان يكسب «الجمهوريون» في انتخابات الكونغرس المقبلة، ان يوجه الضربة المتوقعة لإيران في شهر تشرين الاول (اكتوبر) المقبل، لأن الشعب الاميركي لا يمكن الا ان يقف الى جانب رئيسه في حال عزم بلاده على خوض الحرب.

وعن السيناريوهات المحتملة في الملف الإيراني تقول الكاتبة:

على كل، في ظل هذه التجاذبات الخطيرة، تحدث أمور كثيرة لافتة. ابرزها على سبيل المثال، ما قاله المدير السابق للاستخبارات العسكرية الاميركية الجنرال المتقاعد باتريك لانغ، وأيده في اقواله راي تقيّه الخبير في الشؤون الايرانية في مجلس العلاقات الخارجية في نيويورك، وما كتبه المعّلق الايراني محسن اميري في صحيفة «شرق» الايرانية عن الفرص التي ستوفرها للمصالح الايرانية المحادثات الاميركية ـ الايرانية حول العراق.

في 23 من الشهر الماضي، قال الجنرال لانغ في مركز نيكسون في واشنطن، ان قدرة المؤسسة العسكرية الاسرائيلية لا يمكنها تحمل القيام بغارات جوية مكثّفة على ايران، بسبب عدم امتلاكها لحاملات طائرات، او للعدد المطلوب من الطائرات، ولمسافة 1500 كلم الفاصلة بين إيران وإسرائيل. وأضاف لانغ ان الغارات الجوية هي الخيار الجدي الوحيد لمحاولة تدمير البرنامج النووي الايراني، وان الولايات المتحدة تستطيع ان تدمر او على الاقل ان تؤخر ذلك البرنامج سنوات، لكنه ألمح الى ضرورة ان تستعد الولايات المتحدة لردود فعل ايرانية كثيرة ومتنوعة، بما فيها مضاعفة العمليات الانتحارية في العراق واستهداف المصالح الاميركية في الشرق الاوسط من قبل المنظمات المدعومة مالياً من ايران مثل: حماس، وحزب الله والجهاد الاسلامي. وقال لانغ: «إن ايران اكبر دولة داعمة للارهاب في العالم، ولا يوجد اي سبب للاعتقاد بأنها لن ترد».

في تلك الندوة قال راي تقّيه، ان ايران متمسكة ببرنامجها النووي كي تسيطر على منطقة الخليج، واستبعد نجاح المحاولات الديبلوماسية معها، كما شكك في فاعلية الجهود الاميركية وخصوصاً البث الاذاعي والتلفزيوني المّوجه لزعزعة الاستقرار في ايران، ورأى ان لا قدرة للمعارضة الايرانية على قلب «النظام القوي» في طهران: «هناك مشاعر معارضة داخل ايران، انما لا معارضة حقيقية، والافتراض الشائع بان الرأي العام الايراني غير مبال لأنه يتوق الى المعلومات، هو افتراض غير صحيح، ان الرأي العام الايراني باختصار غير مبال».

وعن الرؤية الداخلية في إيران عن المفاوضات المرتقبة بين طهران و واشنطن بشأن العراق و المكاسب التي تنوي طهران تحققيه عنها تقول الكاتبة:

بعد هذه التحذيرات، دعا تعليق في صحيفة «شرق» الايرانية في الخامس من الشهر الجاري الى الاستفادة من المحادثات المقبلة بين واشنطن وطهران، ورأى محسن اميري، ان الاميركيين بعكس البريطانيين الذين يركزون على عدم الاستقرار في العراق لتبرير بقائهم، «يتمنون ان يقلصوا عدد قواتهم في العراق كي يبدأوا العمل بمشاريع اقتصادية يحتاجونها للاستقرار والسلام»، واضاف اميري ان امام ايران خيارين كي يصبح العراق حليفها، الاول: اتباع استراتيجية زعزعة الامن في العراق، وتحدي المحتل من اجل اشغال الاميركيين في العراق وإلهائهم عن الضغط على ايران، والثاني: اتباع استراتيجية تضمن الامن في العراق والمساعدة على اقامة حكومة شعبية تتخلص من الوجود الاميركي، الخطر المحتمل عبر الحدود. ان هذه الاستراتيجية يمكن ان توفر الارضية لتعاون اميركي ـ ايراني مستقبلاً، خصوصاً مع السياسة الاميركية التي تتطلع الى تخفيض قواتها في العراق، فتحول العراق الى دولة صديقة، وتحقق مكاسب اقتصادية لإيران بمشاركتها في اعادة بناء العراق، وتكسبها سمعة دولية وشعبية ونفوذاً واسعاً في العراق.

الاكثر اثارة في تعليق «شرق» المقطع القائل: ان الايرانيين ادركوا ان مفتاح المسألة النووية الايرانية في يد واشنطن، وان الدول التي تدخلت حتى الآن لحل الازمة النووية تكسب من التحالف مع الولايات المتحدة، اكثر من اي علاقة لها مع ايران.

التعليق السياسي الذي يغازل واشنطن، جاء قبل يوم واحد من انتهاء المناورات العسكرية الايرانية في خليج عمان، التي شاركت فيها قوات ايرانية من الجيش، والحرس الثوري والباسيج. واعلنت ايران اثناءها عن قيامها بعدة تجارب ناجحة على انواع مختلفة من الصواريخ. المقصود بهذه التجارب تذكير دول المنطقة ومعها الولايات المتحدة، بأن ايران تستطيع ان تؤثر عسكرياً وبالذات في مضيق هرمز. لكن، وحسب مصادر عسكرية غربية، تستطيع ايران ربما ان تُغلق المضيق لفترة قصيرة، الا ان هناك مبالغة في قدراتها على قلب الاوضاع رأساً على عقب في منطقة الخليج، كما حاول ان يوحي الجنرال في الحرس الثوري علي فضاوي، بقوله ان الصواريخ البحرية والصواريخ المتعددة الرؤوس وغيرها هي بمستوى الاكثر تقدماً في العالم، اذا لم تكن اكثر تفوقاً.

وعن مدى صحة الإدعاءات الإيرانية عن قدراتها الننوية تقول:

الخبراء العسكريون الغربيون يشككون في صحة الادعاءات الايرانية هذه. قالت ايران انها جربت صواريخ بحرية قادرة على اكتشاف اهدافها تحت الماء بالامواج الصوتية، وان سرعتها 375كم في الساعة، اي ثلاثة او اربعة اضعاف سرعة الصواريخ البحرية التقليدية، وقالت انها جربت صاروخاً متعدد الرؤوس يستطيع ان يتجنب الرادار (فجر ـ 3)، وحسب احد المستشارين العسكريين الاوروبيين، فان الغرب حتى الآن يجد صعوبة في صنع صاروخ لا يلتقطه الرادار. ان علم محاولة صنع صواريخ، او طائرات، او حتى سفن لا يلتقطها الرادار، يسمى «التكنولوجيا الخفية»، ولم يتحقق الا جزء منها، ولا يمكن للايرانيين بقدراتهم المحدودة ان يكونوا تفوقوا على بقية العالم.

وتوقف الخبراء العسكريون عند الصاروخ البحري «الحوت»، الذي قالت ايران ان لا سفينة يمكن ان تفلت منه بسبب سرعته. الدولة الوحيدة التي تملك مثل هذا الصاروخ هي روسيا، وهو صاروخ «شكفال»، الذي يغطي مائة متر في اللحظة، ويصل مداه الى 6.9 كم، وليس معروفاً ما اذا كان «الحوت» الايراني مأخوذا منه. لم تعلن ايران عن المدى الذي يقطعه «الحوت»، واذا كان مداه مشابها لمدى صاروخ «شكفال»، فهذا يعني حسب المستشارين العسكريين انه فعال اذا كانت السفينة المستهدفة قريبة. وكان الروس صمموا هذا الصاروخ للدفاع عن غواصاتهم، ولاطلاقه على الغواصات التي تلاحقها. وقيل، ان التشغيل غير المقصود لأحد هذه الصواريخ، سبب حادثة الغواصة الروسية «كورسك»، وادى الى مقتل جميع بحارتها.

جربت ايران في المناورات صواريخ الكوثر والنور والزوارق السريعة التي برعت في استعمالها ضد السفن في الخليج في المرحلة الاخيرة من الحرب العراقية ـ الايرانية. لكن يبقى ان السفن التي ستحمل هذه الصواريخ في حال الحرب، ستكون عرضة لغارات جوية من طائرات الهليكوبتر العسكرية، وإذا كانت ستستعمل ضد الغواصات كما تقول ايران، عندها تصبح في حاجة الى قدرات عسكرية كاملة ضد الغواصات، فالصاروخ بحد ذاته هو جزء بسيط من نظام متكامل.

من جهة اخرى، وحسب الخبراء العسكريين، حتى لو كانت كل هذه الانظمة متقدمة كما يقول الايرانيون، الا انها تبقى محدودة من ناحية النوعية مقارنة مع ما تملكه عمان، والسعودية، والكويت، وقطر ودولة الامارات العربية المتحدة. وكذلك علينا الا نتجاهل الاسطول الاميركي الخامس الذي قد ينهي اي مغامرة ايرانية لاغلاق مضيق هرمز، حتى قبل ان تبدأ.

و تختم الحسيني مقالها بسؤال يشغل الكثير من المراقبيين والمتابعين في المنطقة:

ان ايران تهدف الى اثارة قلق دول الخليج، وتذكير الولايات المتحدة بأن الهجوم عليها سيكون مكلفاً، لكن لماذا تصر الدولتان على التحضير للمحادثات بينهما بحجة تهدئة الوضع في العراق؟

 و كل ذلك بحسب راي هدى الحسيني في المصدر المذكور .

المصدر : الشرق الاوسط – 13-4-2006