مقالات و محاضرات

 

 

الرئيس مبارك والهروب عن مواجهة الحقيقة

 

سالم اليامي

 

يبدو أن تداعيات تصريحات الرئيس المصري الغير مسؤولة و المعتادة في نفس الوقت لن تنتهي بعد و لا بد أن لن تنتهي نظراً لحجم التصريحات و الإدعاءات الذي لابد أن يقوم سيادة الرئيس(!!) بإثباتها أو الإعتذار عنها وفي هذا السياق كتب سالم اليامي مقالاً في ايلأف بعنوان الرئيس مبارك والهروب عن مواجهة الحقيقة و يحاول أن يناقش فيه قضية الولاء للوطن فيفتتح مقاله قائلاً:

لن أتحدث بداية عن الشيعة العرب الذين اتهمهم الرئيس حسني مبارك بعدم الولاء لأوطانهم التي لم تعترف بهم كمواطنين في بلدانهم العربية سواء كانوا أغلبية في وطن ما أو أقلية في وطن آخر. حتى في مصر الفاطمية وعاصمتها قاهرة المعز التي تحتضن أشهر جامع إسلامي بناه الشيعة العرب الفاطميون.

ولن أذهب بعيدا لكي أفتش عن البراهين التي تقول أن المذهب الشيعي هو المذهب الإسلامي الوحيد ذو الأصول العربية، بينما تعود المذاهب الإسلامية السنية في أصولها إلى غير العرب. بل أن المرجعين الهامين للمذاهب السنية يحملان اسمي شيخين ليسا بعربيين هما: البخاري ومسلم، في الوقت الذي يرجع المذهب الشيعي إلى أهل البيت العرب الأقحاح ذوي النسب الشريف في كل أمور المذهب الشيعي.

لكنني هنا سوف أتحدث أولا عن أغلبية الشعب العراقي التي أشار إليها الرئيس مبارك مشككا في عروبتها بشكل تعميمي لا يمكن أن يصدر من رئيس دولة وحاكم لمدة ثلاثين سنة لأكبر بلد عربي. وأنا لست مخولا للحديث عن الشعب العراقي بقدر ما أريد أن أقول ماأراه الحق، ولدفع القليل من الباطل الذي يتعرض له هذا الشعب العريق منذ عشرات السنين. وعندما حانت الفرصة لهذا الشعب كي يتحرر من جلاديه، فإذا بسهام الحاقدين تصيبه من كل الجهات كيلا يذوق هذا الشعب المذبوح من الوريد إلى الوريد طعم الحرية الغائبة.

ونحن نعلم أنه من حق الشعب العراقي أن يشارك غيره من بقية الشعوب الأخرى الانتماء المذهبي الشيعي، وأن يكون العراق مرجعا لكل المسلمين الشيعة نظرا لوجود أماكن مقدسة شيعية في العراق. ونرفض أن يكون ولاء الشيعي العربي العراقي لغير بلده العراق مثلما نرفض أن يكون ولاء السني العربي لغير أوطانه العربية، إلا أننا نريد أن نسجل مقارنة بسيطة بين الولاآت العربية للمنتمين إلى المذهبين الإسلاميين الشيعي والسني إذعانا للحق وبحثا عن الحقيقة المغيبة وسط التاريخ المزيف وعبر التصريحات المسيسة التي تحاول أن يستمر الضيم وتعم الفتنة ويطول ليل الاستبداد حتى لايبزغ فجر الحرية ولا تتوارى سنوات الطغيان والعبودية.

ثم يطرق سالم اليامي لموضوع الأفغان العرب!! و يقول:

كما أنه لم يتم اتهام السنة العرب بعدم الولاء لأوطانهم حينما ولوا الأفغاني محمد عمر أميرا للمسلمين السنة وجعلوا من افغانستان وطنا بديلا لأوطانهم ومن كهوف تورا بورا وقندهار قبلة يحجون إليها. وقدموا كل باكستاني وأفغاني سني في أوطانهم العربية على كل عربي شيعي يشاركهم الانتماء لنفس الأرض والعرق والدين والمصير.

في الثمانينات الميلادية غزا صدام حسين إيران وحاربها ثمان سنوات متتاليات بتشجيع وولاء لأمريكا والغرب الذين استفادوا من ملايين العرب، وبدعم من سيادة الرئيس المصري الذي وقف مع رفيقه آنذاك صدام حسين. ولم نسمع أن الشيعة العراقيين قد خانوا وطنهم برغم انتماءهم المذهبي الشيعي الذي ينتمي إليه الإيرانيون وبرغم عدم قناعتهم بالحرب الظالمة التي كانت لخدمة أعداء الأمة العربية في الوقت الذي كانت إسرائيل تحتل الأوطان العربية وتذبح الإنسان العربي من لبنان إلى فلسطين فتونس.

وكان ولاء صدام في تلك الحرب لأمريكا ولم يخن الشيعة العراقيين وطنهم بالرغم من عدم عدالة حربهم ضد إيران.. فلماذا وقف الرئيس مبارك مع صدام في حربه الظالمة ولم يعتبرتلك الحرب خيانة للأمة العربية وقضايها؟!

ثم انتهت الحرب العراقية الإيرانية بهزيمة صدام والتي بسببها غزا دولة عربية صغيرة هي الكويت وانقلب على كل العرب الذين ساندوه في حربه الظالمة ضد إيران، وكان لسيادة الرئيس مبارك موقفا واضحا في مؤتمر القمة العربية الذي عقد في مصر لتبرير دخول القوات الأمريكية إلى الخليج لضرب العراق والتي انتهت بهزيمة صدام هزيمة منكره.. فهل كان للشيعة العرب العراقيين دور في غزو العراق للكويت وفي دخول القوات الأمريكية إلى الخليج يا سيادة الرئيس؟!

ولماذا وقف الرئيس مبارك مع صدام في حربه ضد ايران ووقف ضد صدام عندما غزا الكويت؟!

أليس ذلك لأن أمريكا كانت تدعم العراق ضد ايران ثم اصبحت تحارب صدام في حربه ضد الكويت؟!

فماذا نسمي ذلك يا سيادة الرئيس؟!

ثم استمرت أمريكا في ضرب العراق بعد انسحاب صدام من الكويت مهزوما برضا تام وموافقة صريحة لسياسة السيد الرئيس مبارك وكل السنة العرب إتباعا لأهداف السياسة الأمريكية. فلم لا يتم اعتبار ذلك الرضا لضرب العراق لمدة ثلاثة عشر عاما ولاء من السنة العرب لأمريكا يتقدمهم الرئيس مبارك في ذلك الولاء؟

وهاهم الشيعة العراقيون يذبحون كل يوم بسيارات الإرهابيين الذين يدعون انتماءهم إلى المذهب السني العربي بالعشرات والمئات ليخرج رجال السياسة والدين من الشيعة العراقيين يطالبون بالتهدئة وعدم إثارة الفتنة رغم جراحهم ودمائهم التي تسيل كل يوم بدون سبب. وحين يذبح شخص عراقي ينتمي إلى السنة العرب كردة فعل على إجرام ارتكبه تقوم قائمة السياسيون ورجال الدين العراقيون من السنة العرب طالبين بالثارات وإثارة الفتن والنعرات وخدمة لأعداء العرب. ولم نسمع يوما إدانة من الرئيس مبارك ضد ما يرتكب في حق أغلبية الشعب العراقي التي يتهمها مبارك بعدم الولاء لأوطانها وهم يذبحون من أولئك المنتمين إلى الشعب العراقي من السنة العرب الذين يستقدمون الأجانب من العرب وغيرهم كي يذبحوا أشقاءهم العراقيين الشيعة بدوافع سياسية خبيئة تتغطي بلبوس الدين والمذهبية البغيضة. علما أن الشيعة العراقيين المذبوحين باستبداد صدام منذ عدة عقود كانوا أول من دعا إلى الصفح والتسامح والتلاحم ساعة سقوط الطاغية.

فلم هذا التجني على الحقيقة من رئيس عربي لأكبر دولة عربية في ذكرى سقوط طاغية العراق؟!

وهل يذكر الرئيس مبارك كيف قام صدام حسين بإرسال نعوش المصريين العاملين في العراق بعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية التي هب المصريون للوقوف لنجدة صدام في حربه الظالمة ضد إيران في الوقت الذي كانت إسرائيل تعربد في البلدان العربية؟!

هل كان الشيعة العراقيون يقفون خلف إرسال النعوش المصرية من العراق إلى مصر أم ماذا؟!

علما أنه لو تخلى الشيعة العرب عن ولاءهم لأوطانهم فلن يلومهم أحد مادام أنهم يعيشون في أوطانهم مهضومين الحقوق وعرضة للطغيان والاستبداد والظلم والذبح مثلما حصل لهم في عهد صدام. ولم نسمع أن الشيعة المصريين الذين لم يتم الاعتراف بهم من قبل حكومة الرئيس مبارك قد باعوا ولاءهم لإيران مثلما فعل المصريون السنة الذين أصبحت كهوف تورا بورا وطنا حقيقيا لهم يرسلون منها ما يكفر من يخالفهم الرأي والفكر بما فيهم الرئيس مبارك. فلم هذا التجني على الحقيقة من رئيس اكبر دولة عربية؟!

ولو فرضنا يا سيادة الرئيس أن الشيعة العرب بشكل عام كما وصفتهم غير موالين لأوطانهم فهل يعقل أن حزبا صغيرا كحزب الله اللبناني يهزم إسرائيل بدون ولاء لوطنه لبنان بينما دولة كبرى كمصر انهزمت مرتين من إسرائيل ووقعت معاهدة سلام بشروط من إسرائيل التي لم تفرض شرطا واحدا على حزب الله؟!

ثم يعود اليامي إلى العراق و يسأل مبارك قائلاً:

من الذي يذبح العراقيين هذه الأيام ويدعو إلى إثارة الطائفية والفتن غير الشيوخ والسياسيين العرب المنتمين إلى المذهب السني؟

فهل من يدعو إلى تمزيق الأمة العربية وإثارة الفتن الطائفية يعتبر مواليا لأمته أم عميلا لأعداء الأمة؟!

هل الدين الإسلامي يدعو إلى قتل الناس بالمساجد؟!

من يكفر الآخر؟

الشيعة العرب أم السنة العرب؟

من يقصي الآخر؟

وهل التكفير والإقصاء يعتبر ولاء للوطن والأمة العربية أم خيانة ودعوة لإضعاف الأمة وإذلالها وإشغالها عن هموم التطور والتحضر والتمدن والتحرر من قيود الرق والاستبداد والعبودية؟!

لماذا يا سيادة الرئيس تعتقد أن من يذبحون الشيعة العراقيين الأبرياء أصحاب ولاء لأوطانهم وتشكك في ولاء المذبوحين الضحايا لفكر التطرف والتخلف؟!

إذا كنت يا سيادة الرئيس ترى أن الضحايا غير موالين لأوطانهم وكأنك تمنح الجلادين أرقى أوسمة الولاء والوطنية... فكيف نلوم من يمارس الإرهاب من الجهلة حتى لو كان ذلك الإرهابي يمارس إرهابه في الأقصر أو في أحد شوارع القاهرة؟!

ومن المستفيد مما يقوم به هؤلاء العرب السنة الذين يذهبون لذبح العرب الشيعة في العراق؟!

من يكون الوطني.. العروبي.. هنا؟!

الذي يذبح العراقيين أم ماذا؟!

هل تذكر يا سيادة الرئيس لحظات الذل التي عاشتها كل الأمة العربية حينما كان شارون يحاصر ياسر عرفات في بيته ويضربه بطائراته على الهواء مباشرة في أبشع إذلال للعرب؟!

لماذا سكتم عن الدفاع عن العروبة في ذلك الوقت ولم يتهمكم أحد بالخيانة وعدم الولاء لعروبتكم؟

من سلم الضفة وغزة وسيناء لإسرائيل؟

الشيعة العرب أم السنة العرب؟!

ومن حقق أول انتصار عربي مشرف وحرر أول ارض عربية بامكانات متواضعة؟

ألم يكن حزب عربي شيعي صغير؟!

من بدد ثروات العرب في ثلاثة حروب مدمرة لصالح القوى الكبرى؟

ألم يكن نظاما عربيا سنيا؟

ومن ساعد على تدمير ذلك الوطن والنظام؟

الم تساند الأنظمة العربية السنية تدمير العراق والنظام العراقي بقيادة سيادتكم منذ مؤتمر القمة في مصر الذي تم بالانتخاب ( الخفنشاري ) المفروض من سيادتكم حسب عد الأصابع المتخاصمة وتحويلها إلى أصوات انتخابية مثلما يقول هيكل في كتابه حرب الخليج؟!

لكن كل تلك الحقائق لاتعطي الحق لأحد أن يعمم اتهامه ضد السنة العرب بعدم الولاء لأوطانهم وأمتهم أو ضد أي نوع من البشر مهما كان دينهم أو مذهبهم، لأن التعميم دليل على سطحية التفكير وضحالة الفكر وضيق الأفق المعرفي.

لماذا هذا الهروب من مواجهة الحقيقة ياسيادة الرئيس و عدم قول الحق والاعتراف بالخطأ بسبب الجهل السياسي وقمع الرأي الحر الذي تتخذه أنظمتكم منذ مجلس التعاون العربي إلى بقية المسلسلات السياسية التي عرت السياسة العربية وحتى هذه اللحظة التي يحاول سيادتكم أن يحمل الضحية ما ارتكبه الجلادون من كوارث في حق أمتهم؟

لماذا يا سيادة الرئيس لم تدينوا تلك المجازر التي ارتكبت في حق الأكراد والشيعة وتعتذروا عن السكوت عليها بدلا من التشكيك في ولاء الناس لأوطانهم؟!

علما أن قمة الولاء للوطن أن يحقق حزب شيعي عربي صغير كحزب الله نصرا كبيرا على إسرائيل التي هزمت كل الأنظمة العربية.

وقمة الخيانة لله وللأمة العربية: أن يتم السكوت على ماارتكبه النظام الصدامي بحق شعبه وضد جيرانه كل تلك السنين التي كان صدام يرتكب جرائمه ويجد كل ذلك الدعم الكبير من بعض الأنظمة والإعلام العربي.

وكان صدام يشتري ذلك السكوت بدينار النفط العراقي وتلك أبشع خيانة وكل من باع ضميره لصدام او غيره، لا ولاء له ولا وطن غير الدولار والدينار!

القادة العظماء الحقيقيون: يوحدون ولا يفرقون، ويتعالون عن الانتماء الطائفي لفئة ضد أخرى داخل الأمة الواحدة.

هكذا كان واشنطون وإبراهيم لنكولن وغاندي وغيرهم من القادة الذين خلدهم التاريخ على مر العصور.

وهكذا أسسوا لبناء أمم عظيمة حرة تقود ولا تقاد وتنتصر ولا تنهزم وتعتز دوما بحريتها التي قدمت من أجلها الدماء الغالية.

أما الشعوب التي تضحي بدمائها كيلا تتحرر من عبودية طغاتها، فإنها لاتنجب قادة سوى هذا النوع الصدامي الذي يتلذذ في سفك الدماء ويسمي الهزيمة نصرا، حتى وجنوده يقبلون بسطال الجندي الأمريكي في أم المهازل.

لالوم... يا سيادة الرئيس.. ولا عتب..

 حتى لو فقد العربي انتماءه لأمته ووطنه

سواء كان شيعيا أم سنيا

فلا لوم عليه.. ولا عتب

مادام أن أمته لم تنجب قائدا يعرف كيف يوحد بين أبناءها.

ألم يقل نزار أن للصرصار وطنا... بينما كان شاعر عظيم بحجم نزار يبحث عن وطن بالإيجار؟!

أكره أن أحشر قلمي في زاوية طائفية لكنني احتقر القلم الذي لايدافع عن الحق!!

وكل ذلك بحسب رأي سالم اليامي في المصدر المذكور.

المصدر: ايلاف-12-4-2003

salam131@hotmail.com