مقالات و محاضرات

 

 

اليابان تتغير واستراتيجية التدخل الأميركي تتبدل ... فماذا ينتظر الصين وجنوب شرقي آسيا؟

 

أحمد أصفهاني

 

على مدى السنوات القليلة الماضية، كانت اليابان تتخذ خطوات خجولة ولكن الى الأمام دائماً في اتجاه المشاركة الفعلية الأكثر مباشرة في القضايا الدولية، الى جانب مساهماتها المالية السخية بعدما أصبحت منذ خمسينات القرن الماضي إحدى أعظم القوى الاقتصادية في العالم. وإذا كانت تلك المساعدات، بواسطة الأمم المتحدة أو من خلال العلاقات الثنائية، شكلت لليابان نوعاً من المنفذ الخارجي بعد هزيمتها الساحقة في الحرب العالمية الثانية... فإن الجديد في السياسة اليابانية الخارجية يهدف الى ازالة ما تبقى من قيود كبّلت طوكيو بعد الحرب.

بدأت تباشير التغير في السياسة الخارجية عام 1991 عندما ساهمت اليابان مالياً بالحملة الأميركية ضد العراق والتي استهدفت آنذاك تحرير الكويت. لكن التحول الجذري انطلق في كانون الأول (ديسمبر) عام 2003 مع موافقة الحكومة اليابانية على مشاركة مئات الجنود اليابانيين في «عمليات ذات طابع إنساني» في جنوب العراق الى جانب قوات التحالف الأميركي - البريطاني التي غزت العراق من دون قرار من مجلس الأمن. كما شارك جنود يابانيون في أعمال الاغاثة في أندونيسيا بعد إعصار تسونامي الذي ضرب المنطقة مطلع العام الماضي.

وتدور في الأروقة السياسية اليابانية مناقشات حول اقتراحات تهدف الى إعادة النظر في الدستور الياباني «المسالم» الذي أقر بعد انتهاء الحرب واستسلام طوكيو، ومن أجل السماح لـ «قوات الدفاع الذاتي» (الاسم الرسمي للجيش الياباني الحالي) بلعب دور فعّال في العمليات العسكرية التي ترعاها الأمم المتحدة، بغض النظر عن مكان وقوع الأحداث التي تستدعي إقرار مثل تلك العمليات ذات الغطاء الدولي.

وكانت فترة البحث في اصلاحات الأمم المتحدة وتوسيع العضوية في مجلس الأمن العام الماضي مناسبة لتطالب طوكيو بالحصول على عضوية دائمة في المجلس، انطلاقاً من دورها العالمي وقوتها الاقتصادية. ومع أن المحادثات آنذاك لم تسفر عن نتيجة لاعتبارات دولية واقليمية متنوعة، إلا أن الطلب الياباني يعكس تغير نظرة اليابان الى ذاتها والى دورها، خصوصاً في عالم تغيرت فيه موازين القوى بعد سقوط الاتحاد السوفياتي ومعه المعسكر الاشتراكي في أوروبا الشرقية وقيام الولايات المتحدة قوة عظمى وحيدة في عالم أحادي الأقطاب!

وعلى رغم ان اليابان، حتى الآن على الأقل، تعتمد على الولايات المتحدة للدفاع عنها في حال تعرضها لأخطار خارجية (القواعد العسكرية الاميركية لا تزال مستقرة على الاراضي اليابانية)، غير ان تبدل الاستراتيجية الاميركية من جهة وبروز الصين قوة اقتصادية وعسكرية مهمة من جهة أخرى، باتا يستدعيان اعادة نظر يابانية على المستوى الاستراتيجي العام... بمباركة أميركية واضحة غايتها الأساس إيجاد نوع من التوازن في جنوب شرقي آسيا.

التجربة الاميركية في العراق أسفرت عن دروس تكتيكية واستراتيجية حيوية بالنسبة الى واشنطن، ما يهمنا منها هو عدم قدرة الولايات المتحدة على نشر قوات عسكرية بأعداد كبيرة في مناطق الأزمات في العالم. صحيح ان واشنطن قادرة على توجيه ضربات قاصمة الى اي دولة، سواء بالصواريخ العابرة للقارات أو الغارات الجوية المنطلقة من قواعد ثابتة أو من حاملات الطائرات الضخمة أو حتى بواسطة قنابل نووية «ذكية»، لكن الصحيح ايضاً - وهذا ما كشفت عنه «المغامرة» العراقية - ان الولايات المتحدة لا تستطيع ان تنشر عشرات ومئات الألوف من الجنود في مكان واحد لفترات غير محددة!

من هنا يأتي التبدل في التكتيك الاميركي. الولايات المتحدة، بقدراتها العسكرية الهائلة، تستطيع ان تضرب اينما تريد ووقتما تشاء، لكنها تظل في حاجة الى «وكلاء» اقليميين قادرين ومستعدين لملء الفراغ على الأرض بدل إشغال الجيش الاميركي في مستنقعات محلية على غرار ما هو حاصل في العراق الآن. واليابان، بطاقاتها البشرية والاقتصادية وتطورها العلمي، مرشحة جاهزة للعب مثل ذلك الدور في محيط اقليمي تبرز فيه كل من الصين وكوريا الشمالية بل وحتى روسيا التي توتر علاقاتها مع اليابان مشكلة الجزر المتنازع عليها في المناطق الشمالية والشرقية.

لن تكون هذه السياسة الجديدة سهلة التنفيذ أمام تشدد الشعب الياباني في نبذ «النموذج العسكري» للأمبراطورية اليابانية كما عبر عن نفسه في النصف الثاني من القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين. غير ان المراقب السياسي يلحظ سعياً حثيثاً تقوم به الحكومة اليابانية، خصوصاً مع تولي جونيشيرو كويزومي رئاسة الحزب الديموقرطي الليبرالي، وبالتالي رئاسة الحكومة بعد انتصار انتخابي حاسم، لتعزيز الاتجاه الداعي الى تخلي طوكيو عن «حيادها السلمي» في منطقة تشهد توتراً متصاعداً وتحمل بذور مواجهات خطرة سواء بين الصين وتايوان أو بين شطري كوريا، مع الأخذ في الاعتبار دائماً العامل الأميركي الموجود بقوة في كل هذه الملفات.

ولعل زيارة كويزومي في تشرين الأول (اكتوبر) الماضي الى النصب التذكاري «ياسوكوني»، وهو نصب ضحايا الحرب الذي ضُمت اليه عام 1978 «أرواح» عدد من مجرمي الحرب العالمية الثانية، تؤشر الى المساعي الحكومية اليابانية الهادفة الى التغيير في وعي المواطنين اليابانيين. فقد كانت زيارة المسؤولين الحكوميين اليابانيين الى ذلك النصب «شبه محرمة» خوفاً من إثارة حساسيات الدول المجاورة التي عانت من الاحتلال الياباني مثل الصين وكوريا. لكن زيارة كويزومي، الذي أصر على اعتبارها «مبادرة ذاتية» احتراماً لقتلى الحرب وليست تكريساً رسمياً، حملت معنى آخر يتعلق بأن النصب هو أحد المراكز الاساسية لنزعة «شنتو» القومية اليابانية.

ولم تكن بكين مرتاحة ابداً لهذه الزيارة، ولذلك بادرت القيادة الصينية الى تجميد الاتصالات الرسمية مع اليابان، بل وغضت النظر عن تظاهرات واسعة شهدتها المدن الصينية احتجاجاً على كتب مدرسية يابانية «تتعامى عن التاريخ العدواني الياباني» ضد الدول المجاورة. وازدادت حراجة الموقف بعد اجتماع ثلاثي بين اليابان واستراليا والولايات المتحدة خرج ببيان رسمي يعرب عن «القلق» من تصاعد وتيرة الإنفاق العسكري في الصين. وكانت بكين في المرصاد، فردت الشهر الماضي على ذلك البيان بالقول ان نشاطاتها العسكرية تدخل في باب السياسة الدفاعية المشروعة.

هذه التحركات والتحركات المضادة، في مظهرها السياسي الخارجي، تخفي تيارات عميقة تتصارع في تلك المنطقة الآسيوية الحيوية. فالصين تتغير، واليابان تتغير ايضاً. من الطبيعي في مثل هذه الحال ان تتبدل الاستراتيجيات الاقليمية وامتداداتها الدولية. لكن أخطر ما يمكن ان يحدث هناك هو ان يكون التبدل جزءاً من اعادة النظر الاميركية في استراتيجية التدخل على مستوى العالم، وعندها يصبح «الوكلاء الاقليميون» أدوات ذلك التدخل وضحاياه في آن.

وكل ذلك بحسب رأي أحمد أصفهاني في المصدر المذكور.

المصدر: الحياة اللندنية-10-4-2006