مقالات و محاضرات

 

 

القاعدة تريدها حرباً أهلية

 

 

ترى ما الذي يجعل الحرب الأهلية تستحق إسمها ؟ أو لنضع السؤال بصيغة أخرى : متى يبلغ التصادم العنيف حداً من الإتساع يبرر تسميته عن حق " حرباً أهلية " ؟

هذا هو السؤال الذي يطرحه العراق،على ما يبدو، في أعقاب تفجير ضريح الامامين في سامراء يوم 22 شباط .   تقارير الأنباء التي تابعت حادث التفجير وصفت العراق بأنه يقف على حافة الحرب الأهلية . ولكن تلك التقارير كان فيها أمران لافتان للنظر . الأمر الأول هو أن عددا غير يسير من المراقبين كانوا يزعمون منذ فترة طويلة بأن العراق يسير صوب الحرب الأهلية ، أو يجنح إلى الحرب الأهلية ، أو ينزلق في هوة الحرب الأهلية وما إلى ذلك من التعابير الكثيرة المشابهة . بل أن بعضهم ذهب أبعد من هذا حين ادعى أن الظروف التي تسود العراق هي الآن ظروف حرب أهلية وأنها كانت كذلك منذ حين . وقد كتب زميلي لاري دايموند من معهد هوفر مقالة نشرت في العدد الحالي من ( الجمهورية الجديدة ) أورد فيها صيغة متعارفا عليها في علم الإجتماع تعتبر الحرب الأهلية متحققة بموجبها : " إذا ما سقط 1000 شخص على الأقل قتلى ( منهم 100 على الإقل من كل طرف من أطراف النزاع ) من جراء الاقتتال الداخلي الذي يحاول فيه أحد الأطراف تغيير وضع الدولة أو سياستها عن طريق العنف " . وفي العراق تفيد التقديرات بأن عدد من لقوا مصارعهم من جراء العنف منذ انتهاء العمليات العسكرية الرئيسية في نيسان 2003 يتراوح ما بين 12 ألف و 20 ألف عراقي. ويخلص دايموند من هذه الأرقام إلى أن العراق كان يمر بحالة حرب أهلية بعد فترة قصيرة من ذلك التاريخ . وفي برنامج حواري شاركت فيه خلال شهر كانون الأول الماضي طرح أحد المشاركين أيضاً ، هو والت ستيفن من هارفارد ، رأياً مشابهاً فحواه أن العراق يشهد حرباً أهلية فعلية . الأمر الثاني اللافت للنظر هو أن الصحافة الأميركية نسبت إلى العراقيين أنفسهم في شهر شباط الماضي وصفهم وضع بلدهم لأول مرة بأنه " على حافة الحرب الأهلية " ، ومن الواضح أن القادة العسكريين الأميركيين يوافقونهم على هذا التقييم .

ولكني أرغب في فرز بعض الأمور الدقيقة هنا ، وقبل القيام بذلك دعنا نقر ببعض الملاحظات حول أمور واضحة لا لبس أو جدال فيها : فمن الواضح أن العراق بلد يعاني من العنف وعدم الاستقرار ، ومن الممكن جداً أن يتبادر إلى ذهن المرء أن البداية يجب أن تكون من هذه النقطة التي نحن فيها الآن ، ولكننا نريد أن نركز هنا على السمات الخاصة التي تتميز بها أوضاع الحرب الأهلية الشاملة ، بما فيها الصراع العرقي أوالطائفي والتطهير الذي يقرب من حدود الإبادة الجماعية . كذلك من الواضح ان بعض الأطراف المسؤولة عن العنف قد تكون راغبة في مفاقمة الأوضاع على ضوء تلك الخطوط :

فالحرب الأهلية كانت منذ البداية هدفاً معلناً لإبي مصعب الزرقاوي زعيم منظمة القاعدة في العراق ، كما أن من الواضح أن هناك نسبة من السنة العراقيين تنتابهم شكوك عميقة فيما يمكن أن يحمله إليهم المستقبل في عراق لم يعودوا يهيمنون عليه سياسياً .

ومن ناحية أخرى تتحدث تقارير كثيرة عن أعمال القتل الانتقامية ، وهناك من يدعي أن من بين الفصائل الشيعية أيضاً من يرحب بتصعيد المواجهة الدموية من أجل تحقيق الهيمنة السياسية . ثم تأتي المفارقة المريرة حين يتخيل المرء وجود تدخل عسكري تقوده الولايات المتحدة وبريطانيا بتخويل من الأمم المتحدة وتعارضه الحكومة العراقية ، وجود يجاهر بانه يتحمل مسؤولية حماية الطائفة السنية ، ومعها البعثيون السابقون ومؤيدو القاعدة ، مما قد يلحق بها من أذى على يد الميليشيات الشيعية . ولكن ، وأشدد على كلمة " ولكن " ، من الواضح الجلي أن هذه ليست هي الحالة التي عليها العراق الآن . بلى ، كان من الممكن أن تكون كذلك لو أن تفجير الضريح المذهَّب حرك سلسلة من ردود الفعل الانتقامية لدى الشيعة ضد السنة على نطاق واسع ، وهو أمر بدا للكثيرين محتمل الوقوع في 23 شباط . وربما يكون التحرك السريع الذي اتخذته السلطات بفرض حضر التجول نهاراً قد لعب دوراً في احتواء نبض العنف ، ولكني أعتقد أن من المنطقي أيضاً أن أقول أن الجماهير لو كانت قد أصرت على التجمع والزحف بشكل تلقائي لما كان في يد السلطات ما تفعله لوقفها . من هذا يمكننا أن نستنتج أحد أمرين : أما أن الحضور الأمني في العراق ، الذي يشمل القوات الأجنبية وقوات الجيش والشرطة الوطنية  ، أفضل بكثير مما يروج الزاعمون أو أن العراقيين ، وخصوصاً الشيعة ، أبوا وامتنعوا عن اغتنام الفرصة حرصاً على بلدهم . ولأني  أخذت ما قاله العراقيون بعد حادثة التفجير مباشرة مأخذ الجد الكامل ، فإنني آخذ ما يقولونه الآن أيضاً مأخذ الجد الكامل . وما يقولونه الآن هو أنهم يشعرون بأن لحظة الذروة في هذه الأزمة قد مرت وولت ، وتقول التقارير أنهم يرددون القول بأنهم تراجعوا عن حافة الهاوية . ومرة أخرى يبدو أن القادة العسكريين الأميركيين يوافقونهم على هذا القول . ربما كان للحرب الأهلية تعريف في علم الإجتماع ينضوي تحته الوضع القائم في العراق ، ولكن من الممكن لذلك التعريف أيضاً أن يخدمنا ، تحت الظروف الراهنة ، في بلوغ غاية جدلية معينة . ذلك أن التعريف يستدعي إلى الأذهان صورة أوضاع يتجسد فيها الفشل السياسي كاملاً وما يتبع ذلك الفشل من انهيار الحكومة المركزية الفاقدة لشرعيتها في أعين المتطرفين المتعطشين للعنف من جميع الفئات المتناحرة ، وانطلاق الفوضى في الشوارع وما يفضي إليه ذلك كله من أعمال قتل جماعي وعنف على أساس العرق أو الطائفة انتهاء بالكارثة الإنسانية والنزوح الجماعي الواسع للاجئين .. الخ . ولكن الأوضاع الموصوفة ليست هي السائدة في العراق الآن . وربما كانت الحال ستنتهي إلى مثل ذلك لو أن الأمور سارت في اتجاه مختلف خلال الأسبوعين المنصرمين ، ولكن الذي نراه في العراق هو أن العراقيين بدل أن ينزلقوا واجهوا احتمال الحرب الأهلية عيناً بعين وقرروا أن يحيدوا بمسيرة ديمقراطيتهم الوليدة مبتعدين بها عن طريق الحرب الأهلية . لقد ميز السيد دايموند في مقالته بين الحرب الأهلية التي يصفها التعريف الوارد في علم الاجتماع ، وما أسماه بـ " الحرب الأهلية الشاملة " . ولعل هذا التمييز هو الذي يمثل الفرز ما بين اليأس والأمل ، وقد عقد العراقيون عزمهم كما يبدو لصالح الأمل.

وكل ذلك بحسب المصدر المذكور.

المصدر: جريدة الصباح-10-4-2006