مقالات و محاضرات

 

 

تجفيـف الإرهاب

 

 

 أي . سي . غريلانغ

ترجمة : نعم فؤاد

 

تجفيـف التـمرد

وكما نرى في الهجوم الاخير الذي شنته القوات الأمريكية و العراقية ضد المتمردين في سامراء، فقد اخذ المصطلح ( هجوم جوي) معنى جديدا في التعبير العسكري، فهو يعني ألان نقل القطعات العسكرية بواسطة الطائرات المروحية للقيام بعمليات عسكرية عوضا عن توجيه الضربات بصورة شاملة و بدون تمييز بواسطة القذائف و القنابل التي تسقطها الطائرات .

إن العمليات التي تشن ضد المتمردين لا تزال تقع في المناطق السكانية و التي يتعرض سكانها لمخاطر العمليات البرية بنفس الخطورة التي يتعرضون لها عند القصف من ارتفاعات شاهقة، و هنا تواجه الصحافة التي تتابع هذا الموضوع سؤالا يتوجب طرحه على القوات التي تقودها أمريكا في العراق، و هو مدى الدقة و النجاح الذي تلتزم به هذه القوات لتطبيق ( مبدأ التمييز) الذي نصت عليه قوانين الحرب و الذي يتطلب التمييز بين المقاتلين عن غير المقاتلين لكي يمكن حماية الأخيرين . هذا المبدأ و ضعته القوى العسكرية والمنظمات الدولية بتأثير القصف المنظم للمدنيين خلال الحرب العالمية الثانية الذي استندت إستراتجيتها عليه . هذا القصف الذي سمي حينها ( القصف الشامل) قامت به القوة الجوية للولايات المتحدة و بريطانيا ذهب ضحيته مليون مدني . عندما تعرضت المدن الألمانية واليابانية إلى ( قصف كاسح)، و قد تطلب عقودا من الزمن حتى اعتبر القصف المتعمد للمدنيين جريمة حرب . و تعود أسباب هذا التأخير في اعتبار قصف المدنيين جريمة حرب إلى الأعمال الوحشية التي ارتكبتها دول المحور و كانت من البشاعة بحيث غطت على كل ما حولها من جرائم . والذي تقبلته شعوب دول الحلفاء في وقته و لم تنكره لاعتقادها بان هزيمة النازيين تبرر إتباع كل الوسائل . و لكن مع تضاؤل ذكريات الحرب العالمية الثانية لم يعد في الامكان إنكار العمل اللااخلاقي للقصف المتعمد للمدنيين . في سنة1977 وضع برتوكول الزم العسكريين التمييز بين المدنيين و المقاتلين و الذي أضيف إلى اتفاقية جنيف . و كانت بريطانيا من الموقعين عليه و لكن الولايات المتحدة لم تصادق عليه أبدا، إلا إن الولايات المتحدة لا تزال تعلن إن قواتها تحاول تجنب ( ضرر من هذا النوع) و لكن من الصعب حماية المدنيين كما هو الحال في العراق، عندما يختفي المقاتلون بين السكان المدنيين و يتلقون الدعم منهم .

تتسم طبيعة المتمردين الحقيقية بخلق مشاكل لا يمكن حلها فالمثل المرعب للمناطق التي تم قصفها في الحرب العالمية الثانية قد اظهر و بدون جدل إن مبدأ التمييز بين المقاتلين و المدنيين يجب أخذه بنظر الاعتبار و مع ذلك فان المتمردين يستغلونه و بشكل معيب كدرع لهم . إما الحل الذي يبدو متناقضا ظاهريا مع هذا المبدأ ليس في التخلي عنه و لكن في استغلاله كوسيلة للانتقام . و لمعرفة كيف يتم ذلك ما علينا إلا النظر إلى التجربة البريطانية القيمة التي اكتسبتها عندما هيمنت على إمبراطورية متمردة ضمت ثلث سكان العالم عندما كانت في ذروتها . لقد تعلم البريطانيون الطريق الصعب الذي لم يخل من أخطاء فادحة عند اجتيازه لكن كان الدرس واضحا و هو تصريف مياه البركة التي يسبح فيها المتمردون . فعند تطبيق هذه الاستراتيجية حرفيا يتوجب نقل السكان المتواجدين في مناطق النزاع إلى العيش في معسكرات . و هو ما سيفقد المتمردين الغطاء و الدعم . لقد كلف تطبيق هذه الطريقة أثمانا عالية و بشكل أثار الجدل عندما تمت تجربتها لأول مرة في حرب البوير، إذ فقد الكثير من الأطفال و النساء حياتهم في المعسكرات التي جمعوا فيها . و لكن هذا الأسلوب قد جرى تحسينه عندما قام التمرد الشيوعي في الملا يو، و أثناء انتفاضة منظمة الماو ماو في كينيا في الخمسينيات . لقد كانت الحياة في القرى التي هجر إليها السكان أكثر راحة و كان التعامل فيها يسوده الرقة و اللطف . و من الطبيعي أن يترادف فصل المدنيين عن المقاتلين مع توجيه ضغط مستمر على الأخيرين إلى أن تضطرهم الظروف التي يعيشون فيها للقبول بالحل السياسي . ففي الملايو تم عزل ما يقرب نصف المليون من السكان عن مناطق المتمردين . هل يمكن تطبيق مثل هذا الأسلوب في المنطقة الغربية في العراق ؟ سؤال يترك إلى الخبراء العسكريين . و الذي تكون الفكرة وراءه جعل حياة هؤلاء المدنيين أفضل و إلا سيقومون بتقديم الدعم للمتمردين بطريقة أو أخرى . فليس هنالك طريق أخر لإنهاء التمرد .

إن استعمال هذا الأسلوب في العراق و الذي يعتمد على الخبرة البريطانية يتمثل بضرب نطاق على أكثر المناطق اضطرابا بحيث لا يمكن لأي شخص الدخول و الخروج إلا بعد الخضوع لتفتيش دقيق و تصبح الحركة مسموحا بها للأغذية و الأدوية فقط .و قد اتبع البريطانيون مثل هذه الطريقة في نيروبي و بعض مناطق المدن في كينيا خلال الخمسينات، عندما قاموا بتفتيش و بكل دقة لأي شيء أو شخص يدخل أو يخرج من مناطق كهذه . و من ميزات هذه الخطة إن الأسلحة و الأشخاص قد بقيت في أماكنها في كلا الجانبين و أصبحت حياة السكان داخل المناطق المحجوزة أفضل لهم من الحرب التي لا تنتهي . إلا إن مساويء هذا الحجز قد تعطي نتائج عكسية، فهي تثير الغضب و الامتعاض بين السكان . كما يتطلب تنفيذها إعداداً كبيرة من القوى البشرية للسيطرة على محيط هذه المناطق و مراقبتها، و لكن في النهاية كان حل الاستعمار البريطاني للتمرد يميل إلى استخدام أوجه من كلا الاستراتيجيتين فعزل المدنيين عن المتمردين سيقطع الاتصال بينهما و بذلك سيتم إتباع أساليب متناقضة في التعامل مع كليهما في آن واحد، و سيكون هنالك إكراه للمتمردين و دعم للمدنيين و الذي يجب أن يكون بصورة متواصلة . و قد كان الهدف من هذه الأساليب واقعيا، فقد أدركت بريطانيا أن التمرد لا يمكن قمعه بل يمكن إخماده فقط، و لن تكون في النتيجة نهايته إلا عن طريق التسوية السياسية . هذه الحقيقة الصعبة يجب أن تكون المرشد للجهود التي تبذل في العراق . و كلما كان تطبيقها أسرع كان الأفضل . و في الوقت ذاته كلما ازدادت فعالية مبدأ التفريق بين المتمردين و المدنيين و تم دعمه و الذي من شانه تقليل الإصابة بين المدنيين كلما كان من الممكن التوصل إلى تسوية فعالة و دقيقة .

*آخر إصدارات الكاتب هو كتاب ( بين المدن الميتة : تاريخ و التراث الأخلاقي لقصف المدنيين في ألمانيا و اليابان خلال الحرب العالمية الثانية) .

وكل ذلك بحسب رأي أي . سي . غريلانغ في المصدر المذكور.

المصدر: ايلاف تقلا عن نيويورك تايمز-6-4-2006