مقالات و محاضرات

 

 

دخول التاريخ بطريقة رخيصة

 

 

عراق رايس ورامسفيلد:

                               دخول التاريخ بطريقة رخيصة

 

توماس فريدمان

 

من الصعب ان يعرف الشخص ما اذا كان عليه ان يضحك او يبكي، عندما يقرأ عن المشاحنة التي حدثت بين وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد، حول ما اذا كانت الولايات المتحدة قد ارتكبت أي أخطاء «تكتيكية» في حرب العراق؟

الحكاية، للذين لم يسمعوا بالمشاحنة، التي حدثت بين كوندوليزا رايس ورامسفيلد، هي ان كوندوليزا قالت لصحافيين في بريطانيا، نهاية الاسبوع الماضي، انها «تدرك ان الولايات المتحدة ارتكبت آلاف الأخطاء التكتيكية»، لكنها قالت ايضا ان إطاحة صدام حسين من السلطة ستظل، في نظر المؤرخين مستقبلا، قرارا استراتيجيا صحيحا.

جاء رد دونالد رامسفيلد على تعليق كوندوليزا رايس، خلال حديث اجراه معه راديو WDAY في فارغو بولاية نورث داكوتا يوم الثلاثاء، حيث قال: «بصراحة، لا أعرف عن ماذا تتحدث وزيرة الخارجية»، ثم اوضح مستخدما حديثا لا معنى له ولا رابط بينه قائلا: «اذا كان هنالك وضع راكد وأخطأ الشخص في كيفية التعامل مع ركود الوضع، فإن هذه قضية. المسألة هنا ليست وضعا راكدا وإنما هنالك وضع متحرك ونشيط، وهناك عدو يفكر ويستخدم ذهنه ويكيف نفسه على نحو مستمر، ولذلك ينبغي على قادتنا العسكريين ان يحرصوا على التكيف التكتيكي باستمرار».

ترى، من اين يمكن ان نبدأ؟

أولا، اخطأت كوندوليزا رايس عندما قالت ان أخطاء فريق بوش في العراق كانت تكتيكية صرفة، إذ تحت توجيهات رامسفيلد نفسه، ارتكب هذا الفريق خطأ استراتيجيا كبيرا بعدم نشر قوات عسكرية كافية للسيطرة على حدود العراق وملء الفراغ الأمني، الذي تسببت في وجوده الولايات المتحدة بإطاحة نظام صدام حسين، وهو فراغ امني ملأه منذ إطاحة صدام اللصوص والنهابون وقاطعو الرؤوس من أفراد الميليشيات الطائفية والعصابات.

حقيقة ما وصلنا اليه في العراق حتى اليوم يمكن تلخيصه في الآتي: بعد ثلاث سنوات من الحرب وإنفاق ما يزيد على 300 مليار دولار وآلاف الضحايا من الاميركيين والعراقيين، ليس هناك حتى الآن حكومة عراقية او جيش عراقي يمكنه العمل من دون مساعدة القوات الاميركية. وحتى اذا تشكلت في نهاية الأمر حكومة وحدة وطنية عراقية، ليس من الواضح بعد ما إذا كانت ستتمكن هذه الحكومة من إخراج العراق من طريق الانزلاق في الطائفية ونزاع الميليشيات. كما لم يعد يعرف احد ما اذا كان العراقيون في القوات النظامية يعملون للدولة أم يعملون لصالح الميليشيات.

وكان صاحب موقع خاص عراقي على شبكة الانترنت، قد اورد انه رأى خلال مشاهدته قناة تلفزيون عراقية اعلانا يقول: «تطلب وزارة الدفاع من المدنيين عدم الانصياع لتعليمات دوريات الجيش والشرطة في الأحياء السكنية، إلا اذا كانت مصحوبة بأفراد من قوات التحالف العاملة في المنطقة». ويقول الكاتب ان هذا يعني ان كثيرا من قوات الأمن العراقية «ميليشيات تدين بالولاء لأحزاب سياسية ودينية».

وباعتباري من الاشخاص الذين يعتقدون بأهمية تطوير سياسات تقدمية في العراق، في قلب العالم العربي، يؤلمني قول ذلك، ولكننا نعاني من متاعب حقيقية هناك.

وبعض النقاد يعتبرون الهدف من غزو العراق هو النفط. وهم على خطأ كبير. الامر اكثر جنونا ـ ونبلا ـ من ذلك. فالمنطقة لم تعرف الا التعليمات: القوى الاستعمارية، ثم النظم الديكتاتورية، التي تتحدث بطريقة فوقية الى شعوبها، مدعومة بيد حديدية.

وما نحاول تقديمه في العراق هو امر لم يسبق له مثيل، اول حوار افقي من اسفل الى اعلى بين جماعات منتخبة لدولة عربية. وما تشاهدونه في العراق اليوم هو الحوار الافقي، بين الشيعة والأكراد والسنة، وهي مجتمعات لم يسمح لها بتطوير عقدها الاجتماعي ـ بحيث لا يحكمون من الاعلى، بيد حديدية.

وإذا ما تمكن شيعة وسنة وأكراد العراق من صياغة عقدهم الاجتماعي، لأصبحت الديمقراطية ممكنة في هذا الجزء من العالم. اما اذا لم يتمكنوا من التوصل لذلك، فذلك يعني انتشار النظم الديكتاتورية على مد البصر. وبما ان عدة عقود من هذا النوع من السياسات هي التي تسببت في الامراض التي ادت الى 11 سبتمبر، فإن ذلك سيصبح امرا مؤسفا.

من هنا فان مهمتنا هي تنفيذ الشيء الصحيح: توفير البيئة الآمنة بحيث يمكن للعراقيين تحقيق الحوار المنطقي والسلمي والأفقي، وهو صعب اذا ما وضعنا في الاعتبار تركة الخوف من سنوات حكم صدام. لقد فشلنا في ذلك، لان رامسفيلد رفض نشر قوات كافية. وقد اتخذ رامسفيلد هذا القرار لأنه، اذا ما اطلعت على كتاب «كوبرا 2» لمايكل غوردون وبرنارد ترانور عن تاريخ الحرب العراقية، فإنه كان مهتما اكثر بإحداث تحول في البنتاغون اكثر من اهتمامه بإحداث تحول في العراق. ولم يكن مستعدا على الاطلاق بتخصيص الموارد العسكرية، التي لم يسبق لها مثيل لمهمة العراق التي لم يسبق لها مثيل. وقد صادقه كل من بوش وكوندوليزا رايس وديك تشيني.

لقد حاولوا دخول التاريخ بطريقة رخيصة، ولكن لا يمكنك تقرير النهايات بدون تقرير الوسائل. هذه النظرية الاستراتيجية 101، وإهمالها ليس مجرد«خطأ تكتيكي» فقط.

كل ذلك بحسب راي توماس فريدمان في المصدر المذكورنصاً.

المصدر : الشرق الاوسط اللندنية - * خدمة «نيويورك تايمز» - 8-4-2006