مقالات و محاضرات

 

الهجرة إلى الجنَّة الأميركية

 

محمد حسين اليوسفي 

 

«إلى الشمال» هذا ما يقوله الآلاف المؤلفة من الذين يخترقون الحدود الأميركية بصورة غير قانونية قاصدين مدنها وأريافها سعياً وراء لقمة العيش وبحثاً عن حياة كريمة لم يحالفهم الحظ في تحقيقها في أوطانهم. وهؤلاء ينحدرون من كل أجزاء المكسيك وبلدان أميركا الوسطى وحتى من بلاد بعيدة عن تلك الحدود كالبرازيل وكولومبيا.

ومن كثرة أعداد هؤلاء ـ حسب الكرستيان سينس مونيتور 29/3 ـ ان دوريات الحدود الأميركية قد ألقت القبض على مليون ونصف منهم، بمعدل إلقاء القبض على شخص كل 30 ثانية في العام 2005! ولا غرابة والحال هذه أن يكون عدد من استطاع التسرب من هؤلاء والوصول إلى الجنة الأميركية بطريقة غير شرعية يفوق أحد عشر مليوناً!

ومن المعروف أن الولايات المتحدة الأميركية دولة تأسست على أيدي مهاجرين، إلا أن معدلات الهجرة قد زادت في السنوات الأخيرة، ومعظم هؤلاء يكونون من المهاجرين غير الشرعيين.

فطبقاً للنيويورك تايمز ( 29/3 ) فإن 33 مليوناً من سكان أميركا قد ولدوا في بلاد أجنبية ( بمعنى أنهم من المتجنسين ). وهذا العدد هو الأعلى منذ أن بدأت الحكومة الاتحادية في الاحتفاظ بسجلات للهجرة في العام 1850.

ولا شك أن السماح بالهجرة الشرعية للولايات المتحدة و«التسامح» مع المهاجرين إليها عن طريق التهريب إنما يأتي تماشياً مع تقاليد عريقة مصدرها كما قلنا ان أميركا أمة من المهاجرين أو وفقاً لتعبير النيوزويك الأسبوعية (4/4) «أمة من الأجانب».

غير أن لذلك التوجه جانباً اقتصادياً مهماً وهو أن المهاجرين بصورة غير قانونية إنما هم قوة عمل رخيصة بالذات في القطاعات التي لا يقبل عليها عادة المواطن الأميركي المستوطن بتلك الأرض منذ مدة طويلة. والعمال المهاجرون هؤلاء عادة ما يتعرضون لاستغلال بشع حيث لا يطبق عليهم أرباب العمل «الحد الأدنى من الأجر» أسوة بنظرائهم من العمال المقيمين بصورة قانونية.

وحسب النيوزويك فإن الأحد عشر مليوناً هؤلاء يعمل 29% منهم في أعمال الزراعة و 25 % في أعمال البناء والتشييد و 18% في التنجيد. بيد أن الغريب في الأمر أن 20% من هؤلاء هم من مهندسي معدات الكمبيوتر!

ولا شك أن فتح باب الهجرة على مصراعيه يثير دائماً حفيظة البعض لاعتبارات شتى ناهيك أن تكون هذه الهجرة عبارة عن عمليات تسلل واسعة تحمل الملايين من الغرباء.

مما يؤدي إلى إثارة مخاوف الداعين إلى المحافظة على «الهوية الوطنية» أو المتذمرين من أن الغرباء ينافسونهم في لقمة عيشهم، أو الذين يرون بأن وجود المهاجرين يضغط على الخدمات العامة مثل العلاج والتعليم.

وهي بالمناسبة خدمات تقدم في أميركا سواء أكان الشخص مقيماً بصورة شرعية أو غير شرعية. وربما زاد الطين بلة أحداث الحادي عشر من سبتمبر والخوف من تسرب الإرهاب عن طريق الهجرة غير المشروعة وبالتالي أصبحت القضية مرتبطة بالأمن القومي.

 

وقد طرح مشروع قانون لحل معضلة الهجرة تلك، ووافق عليه مجلس النواب في ديسمبر الماضي لعل أبرز بنوده هو تجريم المقيمين بصورة غير قانونية باعتبارهم مخالفين لأنظمة وقوانين الإقامة (الهجرة حسب الدارج في أميركا). ومن الطريف أن الولايات المتحدة لا تملك قانوناً مكتوباً ومدوناً للجنسية والإقامة (قانون الهجرة)، بل تعتمد في ذلك على السوابق القضائية.

وهي تنطلق في منح جنسيتها على مبدأ حق الإقليم، فالمولود على الأرض الأميركية هو مواطن بصفة أصلية، سواء أكان أحد والديه أميركياً أو مقيماً وافداً، يستوي في ذلك المقيم بصورة شرعية أو غير شرعية.

وفي الأسبوع الماضي بدأت مداولات مجلس الشيوخ ( الكونغرس ) للقانون وسط موجة عاتية من المظاهرات التي انطلقت في عدة مدن، ومنها لوس أنجلوس والتي ضمت النصف مليون شخص كان أغلبهم من (الهسبنك أو ذوي الأصول اللاتينية من المكسيك وأميركا الوسطى والجنوبية). ودخلت قضية الأحد عشر مليوناً من المهاجرين غير الشرعيين في صلب العملية السياسية الأميركية واستقطاباتها الانتخابية.

لذلك انقسم الجمهوريون بين مؤيد للقانون المطروح، وبين متريث كالرئيس بوش الذي قال في معية مضيفه الرئيس المكسيكي فينسنت فوكس ورئيس وزراء كندا ستيفن هاربر في منتجع كانكون: «انطلاقاً من أن أميركا هي أرض المهاجرين لا بد من معاملة الناس باحترام». ( البي بي سي 1/4 ).

ولعل موقف الكنيسة هو الأكثر صلابة في الوقوف ضد القانون المطروح، ذلك أن هذا القانون يجرم في أحد بنوده من يساعد المهاجرين بصورة غير شرعية ويتستر عليهم.

والكنيسة في أميركا هي أكثر من يساعد هؤلاء من باب الرحمة والشفقة وعمل الخير. ولذلك أعلن كاردينال كاليفورنيا ( ماهوني ) إنه لن ينصاع لهذا القانون لو أقر. وجاءت كلمات السناتورة هيلاري كلنتون لتصيب الجمهوريين في الكبد.

 حيث أكدت «أن تلك المقترحات لا تتسم بقسوة القلب فقط، بل هي منافية للعقيدة المسيحية أيضاً، إذ من شأنها تجريم المواطنين فاعلي الخير الحقيقيين». (النيوزويك).

ما يهمنا نحن أبناء الخليج العربي من هذا الجدل هو أن نعتبر مما يحدث في المجتمعات التي تواجه مشكلات شبيهة بالمشكلات التي نعاني منها، إذ لا يعقل في مجتمعات مواطنوها يمثلون أقلية ضئيلة من سكانها أن تظل أبواب التجنس موصدة أمام من أقاموا في ربوعها عقوداً طويلة وساهموا في نهضتها مساهمة فاعلة.

وكل ذلك بحسب المصدر ونصا .

المصدر : UAE - 6-4-2006