مقالات و محاضرات

 

اللعبة السياسية: سياسة خلط الأوراق

 

 غالب حسن الشابندر

 

في سياق تحليل ما يجري في العراق الحزين يقول بعض المحللين السياسيين أن هناك جهة أجنبية، شخص أو حزب أو دولة تسعى لأحداث حرب أهلية عراقية، ويضيف هؤلاء المحللون القول، أن هدف الحرب الأهلية هو (خلط الأوراق) في داخل العراق، وكثيرا من نصادف مثل هذا المصطلح في وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمشاهدة، من أن هناك محاولة (لخلط الأوراق،) ومن خلال تتبعي لهذا الاستعمال فهمت أن (خلط الأوراق) أو (سياسة خلط الأوراق) تمثل أحدى قواعد اللعبة السياسية، فمن قواعد الصراع بين القوى السياسية على طريق القوة والمصلحة هي اللجوء إلى (خلط الأوراق)، أي أن أحد طرفي (وهو قد يكون واحد أو أكثر) الصراع يعمل على خلط الأوراق بالنسبة للأخر، أوراق الآخر، وهي لعبة قد تكون بين دولة ودولة، بين نظام ونظام، بين حكومة وحزب، بين حزب وحزب، بين نظام سياسي وطائفة...

الأوراق هنا تعبير عن قوى واضحة، مفروزة، قوى مُسمَّاة، محددة، وليست قوى مجهولة العنوان أو الهوية أو المصلحة، كأن تكون أحزابا و/ أو قوميات و / أو مذاهب و/ أو منظمات و / أو طوائف و / أو شركات /أو وجمعيات، قوى فاعلة، لها حضورها، ودورها، وحسب منطق اللعبة، أن هذه الأوراق كما يبدو بين الفوضى والانتظام، هناك علاقات بين هذه القوى، ولكن ليست بالقوية، ولا بالهشة، ليست مستقرة كاملا، ولا قلقة تماما، تتراوح العلاقة فيما بينها بين القوة والهشاشة، مترددة بين السلب والإيجاب على صعيد العلاقات والتفاعل والتحاور والتعاون. هناك فرصة كبيرة لخلق حالة من الارتباك الخطير في صميم هذه العلاقات، في عمق هذه العلاقات. هناك توازن ولكنه معرض للارتباك، معرض للاهتزاز.

هنا تأتي فلسفة أو لعبة (سياسة خلط الأوراق)، حيث يتحول هذا الوضوح النسبي في العلاقات إلى غموض، إلى فوضى، تحالفات غريبة، فسخ لعلاقات جديدة بين لحظة وأخرى، تضارب في المصالح تضيع معه الحدود، تتعرض القوى إلى سلسلة من الانشطارات التي من الصعب السيطرة عليها، يختلط الحابل بالنابل، أعداء الغد أصدقاء اليوم، تنمحي الفواصل الواضحة، فيعسر مع ذلك تشريع قانون، ويصعب مع ذلك تسييد الدولة، وتحصل الاختراقات المتضاربة في أجهزة الدولة المهمة، خاصة الجيش والداخلية...

كانت هناك أوراق، ولكل ورقة أسمها وهويتها وعلاقاتها المحسوبة إلى حد ما، وكانت كل ورقة متميزة عن غيرها، ولكن بعد خلط الأوراق ربما تتغير الأسماء، وتتداخل وتتضارب المصالح، وتموج الساحة بمواقف تتغير وتتحول بسرعة الرمال المتحركة، فوضى عارمة...

سياسة خلط الأوراق تربك الدولة المركزية، تجعلها في مهب الريح، تسيطر الفوضى على أجهزة الدولة، تتعثر الدولة في تنظيم العلاقات بين تلكم الأوراق التي كانت واضحة الاسم، واضحة المصالح إلى حد ما، واضحة العلاقات بدرجة ملحوظة.

سياسة خلط الأوراق تؤدي إلى مفاجآت سريعة، متحولة، مفاجآت لا يمكن السيطرة عليها، بل هي التي تتحكم في المعادلة السياسية.

وفي الحقيقة من الصعب حصر أساليب تمرير هذه اللعبة أو بالأحرى إمضاء هذه اللعبة على أرض الواقع في حلبة الصراع، فهي قد يتم إمضاؤها بالتحريض العدواني بطريقة وأخرى، الأمر الذي من شانه إرباك هذه العلاقة، تصديعها، هزها بقوة، سواء داخل بلد أو داخل حزب، أو داخل عشيرة، وقد يتم إمضاؤها بإحداث شرخ بين هذه الأوراق (القوى) بسبب الإغراء أو التشويش الإعلامي والفكري والسياسي، الأمر الذي يقود إلى تحولات في التوجهات والأفكار والمواقف، مما يؤول إلى فوضى عارمة، وهكذا، جوهر الفكرة واحد ولكن الطرق إليها متعددة، متنوعة، خاضعة للظروف والممكنات، ولكن الأصل هو أن تزول الفواصل بين هذه الأوراق، وتحصل فوضى عمياء.

خلط الأوراق يعني في بعض جوانبه فوضى شاملة، تختلط فيها المصالح والعداوات والصداقات بشكل قد يفوق التصور في سرعته وتقلباته، ويبدو أن البلد الذي يتكون من مجموعات عرقية ومذهبية ودينية أكثر من غيره صلاحية لتطبيق مبادئ هذه اللعبة الجهنمية. ومن هنا قد يكون لبنان والصومال والعراق من النماذج الحية في تطبيق فلسفة سياسة خلط الأوراق، حيث يتقاطع شيعي مع مسيحي وذلك بالضد من الآخر، وقد يتقاطع، مسيحي صليبي مع شيوعي بالضد من الآخر، وسني متشدد مع درزي علماني بالضد من الآخر، وقد يتقاطع الشيعة كطائفة من الكاثوليك كطائفة بالضد من السنة ! وهكذا، بعد أن كانت هذه العناوين تمثل نفسها بشكل صارخ، محدَّد، صارم، وذلك في سياق تحولات مدهشة، بحيث يصعب على المحلل السياسي أن يتوقع ماذا سيحدث غدا، ومن الصعب عليه أن يرسم خارطة تحالفات وعداوات شبه ثابتة.

أسرائيل تمارس لعبة خلط الأوراق في الأرض المحتلة، يعني أن اسرائيل تريد خلق مجال فلسطيني مرتبك، مرتبك في علاقات القوى النافذة على الأرض، بحيث تحل الفوضى الشاملة هذه العلاقات، من الصعب تنظيمها من جديد، من الصعب أن تحتفظ العناوين بهويتها وحضورها الحي الملموس لتاريخ طويل معتد به. كل شي ممكن، كل موقف جائز، كل حالة مبررة... وبذلك يضيع النظام السياسي، تنتهك الدولة، لا دولة مع مثل هذه الحالة.

سياسة خلط الأوراق هذه تصاحبها خلط القيم، فيستوي الإرهابي بغيره، والظالم بالمظلوم، والمعتدي بالمسالم، والوطني بالخائن، فوضى قوى، وفوضى تقييمات، وفوضى علاقات، وفوضى عناوين...

أعتقد أن ما يحصل في لبنان الآن خير نموذج لمعرفة أبعاد وجوهر فكرة لعبة سياسة خلط الأوراق، حيث تموج الساحة هناك بالمفاجأت التي لا يمكن السيطرة عليها أبدا، ومن وراء ذلك قوى دولية وأقليمية ومحلية تخلخل العلاقات، وتثير الحزازات القديمة، وتغري هذا على ذاك، وذاك على هذا، في سجال من الصراع من أجل القوة والمصلحة. والعراق ربما مهيئ لمثل هذه اللعبة لتكون سيدة الموقف لا سامح الله، ومن هنا يقول بعضهم أن أعداء العراق يبغون اشعال حرب أهلية من أجل خلط الأوراق.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب.

المصدر : إيلاف – 5-4-2006